21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سماء لا تعرف الهدنة: الغارات القياسية تختبر دفاعات أوكرانيا وتعمّق مأساة المدنيين

شهد أسبوع رأس السنة تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة الغارات الجوية المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، مع تسجيل أرقام قياسية في عدد الضربات،

بقلم: سماح عثمان
٦ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
28 مشاهدة
حرب روسيا وأوكرانيا

حرب روسيا وأوكرانيا

شهد أسبوع رأس السنة تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة الغارات الجوية المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، مع تسجيل أرقام قياسية في عدد الضربات، واتساع رقعة الاستهداف لتشمل مناطق حدودية مأهولة بالسكان. هذا التصعيد أعاد الواجهة الجوية إلى قلب المواجهة، وفتح باب التساؤلات حول قدرة الدفاعات الأوكرانية على الصمود، وحجم التأثير الفعلي للدعم الغربي، في مقابل الكلفة الإنسانية المتزايدة التي يدفعها المدنيون.

الهجمات، التي تزامنت مع فترة يفترض أنها احتفالية، حملت دلالات سياسية وعسكرية واضحة، مفادها أن الحرب لا تعترف بالمناسبات، وأن الصراع دخل مرحلة استنزاف مفتوح، تُستخدم فيها السماء كساحة رئيسية للضغط العسكري والنفسي في آن واحد.

غارات قياسية

خلال أسبوع رأس السنة، سجلت الساحة الأوكرانية أعلى معدل غارات جوية منذ أشهر، وفقًا لبيانات صادرة عن القوات الجوية الأوكرانية وتقارير إعلامية غربية. عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة أُطلقت باتجاه أهداف عسكرية وبنى تحتية، في وقت متقارب، ما شكّل ضغطًا كبيرًا على منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في مختلف المناطق.

الغارات لم تقتصر على العمق الأوكراني، بل شملت أيضًا مناطق حدودية شهدت ضربات متبادلة، ما وسّع نطاق المواجهة ورفع مستوى التوتر على خطوط التماس. هذا التصعيد الجوي المتزامن يعكس، بحسب محللين عسكريين، محاولة من الطرفين لاختبار قدرات الخصم الدفاعية والهجومية في مرحلة حساسة من الحرب.

كما أن توقيت الضربات، خلال أيام معدودة وبكثافة عالية، يشير إلى سعي روسي لإحداث صدمة عملياتية، تُربك منظومة الإنذار والدفاع، وتُظهر قدرة موسكو على الحفاظ على وتيرة نيران مرتفعة رغم طول أمد الصراع والعقوبات المفروضة عليها.

ضحايا الحدود

الغارات المتبادلة على المناطق الحدودية خلّفت سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وفقًا لما أعلنته السلطات المحلية في الجانبين. القصف طال أحياء سكنية، ومرافق خدمية، وطرق إمداد مدنية، ما أعاد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الإنساني في هذه المناطق.

تقارير صادرة عن منظمات إنسانية أشارت إلى أن القرى والمدن القريبة من خطوط المواجهة تعيش تحت تهديد دائم، حيث لا يكاد يمر يوم دون دوي انفجارات أو تحليق مسيّرات. هذا الواقع دفع آلاف العائلات إلى النزوح المؤقت أو الدائم، وسط صعوبات كبيرة في تأمين المأوى والتدفئة خلال فصل الشتاء.

اللافت أن المناطق الحدودية باتت مسرحًا لصراع منخفض الكلفة عسكريًا، لكنه مرتفع الثمن إنسانيًا، إذ تُستخدم كمساحة لتبادل الرسائل النارية، دون اكتراث حقيقي بالأثر المباشر على السكان المدنيين.

أوكرانيا واختبار الدفاعات 

التصعيد الجوي الكثيف وضع منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية أمام اختبار قاسٍ. فرغم الإعلان عن إسقاط عدد كبير من الصواريخ والمسيّرات، فإن بعض الضربات نجحت في اختراق الدفاعات وإصابة أهدافها، ما يعكس محدودية القدرة على تغطية المجال الجوي بالكامل.

بحسب تقارير عسكرية غربية، تعتمد أوكرانيا على مزيج من المنظومات السوفييتية القديمة وأنظمة غربية حديثة، مثل “باتريوت” و”ناسامز”. هذا التنوع يمنح مرونة تكتيكية، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات لوجستية، تتعلق بالصيانة وتوفير الذخائر وتدريب الأطقم.

ويرى خبراء أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في كفاءة الأنظمة، بل في كثافة الهجمات وتعدد محاورها. فالهجوم المتزامن بعشرات المسيّرات والصواريخ يهدف إلى إنهاك الدفاعات، وإجبارها على استهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، وهو ما تسعى روسيا إلى تحقيقه ضمن استراتيجية الاستنزاف.

الدعم الغربي

الدعم الغربي يظل عنصرًا حاسمًا في معادلة الدفاع الجوي الأوكراني. فبدون الإمدادات المستمرة من الصواريخ والأنظمة المتقدمة، ستجد كييف صعوبة متزايدة في حماية أجوائها. غير أن هذا الدعم بات يواجه تحديات سياسية داخل بعض الدول الغربية، حيث تتصاعد النقاشات حول الكلفة المالية وطول أمد الحرب.

وفقًا لتقارير صادرة عن مراكز أبحاث أوروبية، فإن أي تباطؤ في الدعم سيؤثر مباشرة على قدرة أوكرانيا على التصدي للهجمات الجوية الكثيفة. في المقابل، فإن استمرار الدعم بنفس الوتيرة قد يدفع موسكو إلى تصعيد إضافي، في حلقة مفرغة من الردع المتبادل.

هذا التوازن الدقيق يجعل الدفاعات الجوية الأوكرانية رهينة قرار سياسي بقدر ما هي مسألة عسكرية، ويحوّل السماء الأوكرانية إلى مرآة تعكس تماسك أو تراجع الدعم الغربي.

المدنيون الثمن الأكبر

على الأرض، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. تقارير إنسانية من مناطق القصف تتحدث عن انقطاعات متكررة للكهرباء، ونقص في المياه والتدفئة، وصعوبات في الوصول إلى الخدمات الطبية. المستشفيات تعمل في ظروف طوارئ دائمة، فيما تعاني فرق الإسعاف من صعوبة الحركة خلال الغارات.

منظمات إغاثية دولية حذّرت من أن استمرار هذا النمط من القصف خلال الشتاء قد يؤدي إلى أزمة إنسانية أعمق، خصوصًا بين كبار السن والأطفال. كما أشارت إلى أن الخوف الدائم والضغط النفسي باتا جزءًا من الحياة اليومية للسكان، في ظل غياب أي أفق واضح لانتهاء الحرب.

في المحصلة، يكشف تصعيد الغارات الجوية خلال أسبوع رأس السنة عن مرحلة أكثر قسوة في الحرب، حيث تختبر القدرات العسكرية، وتُقاس التحالفات، بينما يبقى المدنيون عالقين تحت سماء لا تهدأ، يدفعون ثمن صراع يتجاوز قدرتهم على الاحتمال.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال