4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إبراهيم أبو عواد يكتب: مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

في مديح البُحْتُرِيِّ طُمَأنينةُ السُّلطةِ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُقْنِعُ. وفي مَديحِ ميلتون قَلَقُ المَصيرِ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُعذِّب. وبَيْنَهما يَتجلَّى المديح بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا: هَلْ نَمْدَحُ العَالَمَ كَيْ نُزَيِّنَه أَمْ نُنْقِذَه؟

بقلم: إبراهيم أبو عواد
٩ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
20 مشاهدة
مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

يُعْتَبَرُ المديح في الأدبِ شُعاعًا مُضيئًا يَكشِف طُموحاتِ الشُّعَراءِ وَقِيَمَ المُجتمعِ الذي يَعيشون فيه، فَهُوَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تَصْطَفُّ على السُّطورِ لِتَجميلِ اسْمِ شَخْصٍ، أوْ رَفْعِ مَقَامِه، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ تَعكِس فلسفةَ الحياةِ، وَمَوازينَ الجَمالِ والأخلاقِ التي يُقَدِّرُهَا الشاعر. والمَدِيحُ قَدْ أَخَذَ أشكالًا مُتباينة بَيْنَ الثقافاتِ والأزمنةِ، وكانَ لِكُلِّ شاعرٍ رُؤيته الخاصَّة التي تَعكِس شخصيته وبيئته الثقافية والفِكرية.

في الشِّعْرِ العَرَبيِّ الكلاسيكي، كانَ البُحْتُرِيُّ ( 206 ه _ 284 ه / 821 م _ 897 م ) مِنْ أبرزِ شُعراءِ المديح. اتَّسَمَتْ أشعارُه بِدِقَّةِ اللغةِ، وعُمْقِ المَشاعرِ، وبَلاغةِ التَّصويرِ. بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، لَمْ يَكُن المَديحُ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تُزيِّن الحاكمَ أو الأميرَ ، بَلْ كانَ فَنًّا راقيًا يُبْرِزُ القِيَمَ الاجتماعيةَ والأخلاقية للمَمْدُوح. في مَدائحِه، نَجِدُ صُورةَ الشاعرِ كَمُرَاقِبٍ للفضائل، يَنْقُلُها بِلُغَةٍ شِعْرية تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّقَّةِ والفَخْرِ والاعتزاز ، وَيُبْرِزُ مِنْ خِلالِها البُطولةَ والشجاعةَ والكَرَم.

المديح في شعر البحتري

البُحْتُرِيُّ يَرى في المديح وَسيلةً لإعلاءِ شأنِ القِيَمِ الإنسانيةِ النبيلة، فَهُوَ يَعكِس الدَّوْرَ الاجتماعيَّ للشاعرِ كَوَسيطٍ بَيْنَ الحُكَّامِ والمُجتمعِ. فالشاعرُ _مِنْ خِلالِ المديح_ يُصْبحُ شاهدًا على التاريخِ، وَمُوَثِّقًا للأفعالِ العظيمة، وَصَوْتًا يُخلِّد أسماءَ المَمْدُوحين في ذاكرةِ الأجيال.

ديوان البحتري

 

واللغةُ عِنْدَ البُحْتُرِيِّ لَيْسَتْ أداةً فَحَسْب، بَلْ هِيَ أيضًا آلَةٌ دَقيقة لإيصالِ الإحساسِ بالرَّهْبْةِ والجَلالِ، واستحضارِ الصُّوَرِ التي تُبهِر القارئَ أو المُستمِعَ، فَتَجْعَل مِنَ المديح تَجْرِبَةً فَنِّيةً مُتكاملة، تُلبِس المَعْنى ثَوْبًا مِنَ الإيقاعِ والخَيَالِ، فَتَغْدو القَصيدةُ فِعْلًا إبداعيًّا يُخَاطِبُ الحِسَّ والعَقْلَ.

المديح عن جون ميلتون

في الشِّعْرِ الإنجليزيِّ، نَجِدُ تَجْرِبَةً مُختلفةً معَ المديح عِندَ جون ميلتون ( 1608 م _ 1674 م )، شاعر الثَّورةِ الفِكرية والدينية في القَرْنِ السابعِ عَشَر. بالنِّسْبَةِ إلَيْه، المديح لَيْسَ وَسيلةً لِتَمجيدِ الحاكمِ بشكلٍ مُباشِر، بَلْ هُوَ فِعْلٌ تأمُّلِيٌّ يَعكِس القِيَمَ العُلْيا والعَدالةَ والحُرِّيةَ الرُّوحية.

جون ميلتون

 

وَهُوَ يَرى أنَّ المديح يُمكِن أنْ يَكُون أداةً أخلاقية وفلسفية، يَتجاوزُ حُدودَ السُّلْطةِ السِّياسية، لِيُصْبحَ رِسالةً للتَّأمُّلِ والوَعْيِ، وَهُوَ يَمْدَحُ القِيَمَ الكَوْنِيَّةَ والجَمالَ الأخلاقيَّ، وَيَحُثُّ القارئَ على التَّفَكُّرِ في العَلاقةِ بَيْنَ الإنسانِ والخالقِ، بَيْنَ الحَقِّ والباطلِ، بَيْنَ الطُّموحِ والسُّقوطِ. وهُنا، يُصْبحُ المديح أداةً تَحْريرية أكثرَ مِنْ كَوْنِهِ وَسيلةً لِتَلميعِ الشخصيات، وَهُوَ يَعكِس تَحَرُّرَ الشِّعْرِ مِنْ قُيودِ المُجامَلةِ السِّياسيةِ لِيُصْبحَ صَوْتًا أخلاقيًّا وفِكريًّا.

رَغْمَ أنَّ البُحْتُرِيَّ وميلتون عاشا في بيئاتٍ ثقافية مُختلفة تَمامًا، إلا أنَّ المديح عِنْدَ كُلٍّ مِنهُما يَعكِس رُؤيةَ الشاعرِ للعَالَمِ والإنسانِ. البُحْتُرِيُّ يُمجِّد الفَرْدَ كَرَمْزٍ للقِيَمِ المُجتمعية، ويَسْتثمر في جَمالِ اللغةِ وَصُوَرِها لِتَخليدِ أفعالِ المَمدوحِ، بَيْنَما ميلتون يَمْدَحُ القِيَمَ نَفْسَها ، ولَيْسَ بالضَّرورةِ الأشخاص، وَيَسْتخدم المديح كَوَسيلةٍ تأمُّلِيَّة تَتجاوزُ الفَرْدِيَّةَ لِتَصِلَ إلى المُثُلِ العُلْيا والعَدالةِ الإلهيَّة.

المديح بين البحتري وميلتون

يُعبِّر البُحْتُرِيُّ عَن المديح في بُعْدِه الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، في حِينَ أنَّ ميلتون يُعبِّر عَن المَديحِ في بُعْدِه الأخلاقيِّ والفلسفيِّ . وهذا يَعكِس الفَرْقَ بَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على المُجامَلةِ ، وَبَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على الحُرِّيةِ الفِكرية. إلا أنَّ القاسمَ المُشترَك بَينهما هُوَ قُدرة الشِّعْرِ على رَفْعِ الإنسانِ إلى مَا هُوَ أسْمَى ، سَواءٌ مِنْ خِلالِ صُوَرِ البُطولةِ والشجاعةِ عِندَ البُحْتُرِيِّ، أوْ مِنْ خِلالِ التأمُّلِ في الفَضيلةِ والعَدالةِ عِندَ ميلتون .
   
إنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ ثقافية وفلسفية، تَعكِس القِيَمَ التي يُقَدِّرُها الشاعرُ والمُجتمعُ معًا. وَبَيْنما يُركِّز البُحْتُرِيُّ على الأبعادِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ للشخصياتِ المَمْدوحة، يُسلِّط ميلتون الضَّوْءَ على البُعْدِ الأخلاقيِّ والفلسفيِّ للمديح. وهكذا نَجِدُ أنَّ المديح قَدْ يَتحوَّل مِنْ وَسيلةٍ سِياسية إلى رسالةٍ إنسانية، وَمِن احتفاءٍ بالمَظْهَرِ الخارجيِّ إلى تَمجيدٍ للجَوْهَرِ الداخليِّ، لِيَظَلَّ الشِّعْرُ دائمًا أداةً لإلهامِ الإنسانِ، وإثراءِ رُوحِه.

والبُحْتُرِيُّ في إطارِ الأدبِ العَرَبيِّ، يُجسِّد المديح كوسيلةٍ للتَّكريمِ الاجتماعيِّ والشخصيِّ. وميلتون في إطارِ الأدبِ الإنجليزيِّ، يَستعمل المديح كأداةٍ للتفكيرِ في المسائلِ الكَوْنِيَّةِ والوُجوديةِ. وَيَتلاقى الشاعران في جَمالِ التَّعْبيرِ وقُوَّةِ الصُّورةِ ، وَيَظَلُّ الفارقُ بَيْنَهما في المَعْنى الذي يُضْفِيانه على هَذه الأداةِ الشِّعْرية. والمديح لَيْسَ كَلِمَات مَدْحٍ عابرة، بَلْ هُوَ تعبيرٌ حَيٌّ عَنْ رُؤَى وَمُعْتَقَدَاتِ الشُّعوبِ، وَلِكُلِّ شاعرٍ مَعاييرُه الخاصَّة في رَسْمِ هذا المَعْنى.

عِندَ البُحْتُرِيِّ، المديح فَنُّ السَّيطرةِ على اللحْظَةِ، والمَمدوحُ يَتقدَّم في القصيدةِ مَهِيبًا مُكْتَمِلًا بِلا عُيوبٍ، والمديح هُنا إيمانٌ بالجَمالِ حِينَ يَخْدُمُ القُوَّةَ، واحتفالٌ باللغةِ حِينَ تَنْجَحُ في إخفاءِ هَشَاشَةِ الواقعِ. أمَّا ميلتون، فَيَكتبُ المديح وَهُوَ يَنظُر إلى الإنسانِ العاديِّ، لا يُمجِّد الكَمَالَ، بَلْ يُحَاكِمُ النَّقْصَ. مَديحُه لَيْسَ تَمْجيدًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اعتراف، وَصَرْخَةُ رُوحٍ تَطْلُبُ الغُفْرَانَ، وتَبْحَثُ عَنْ مَعْنى الخَلاصِ. في مديح البُحْتُرِيِّ طُمَأنينةُ السُّلطةِ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُقْنِعُ. وفي مَديحِ ميلتون قَلَقُ المَصيرِ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُعذِّب. وبَيْنَهما يَتجلَّى المديح بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا: هَلْ نَمْدَحُ العَالَمَ كَيْ نُزَيِّنَه أَمْ نُنْقِذَه؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

إبراهيم أبو عواد

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير