أثار تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن جزيرة جرينلاند عاصفة سياسية داخل البرلمان الأوروبي، بعدما لوّح بإمكانية السيطرة على الجزيرة تحت ذريعة اعتبارات الأمن القومي، من دون أن يستبعد الخيار العسكري، هذا الموقف دفع عدداً من كبار نواب البرلمان الأوروبي إلى المطالبة بتجميد اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، باعتباره ورقة ضغط سياسية في مواجهة واشنطن.
اتفاق تجاري تحت النار من جديد
الاتفاق التجاري بين بروكسل وواشنطن لم يكن محل إجماع منذ البداية، إذ واجه انتقادات واسعة داخل البرلمان الأوروبي باعتباره يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة، ورغم ذلك، دافعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عنه سابقاً بوصفه ثمناً لا بد منه للحفاظ على علاقة مستقرة مع إدارة ترمب. إلا أن اللهجة الأميركية الجديدة أعادت الاتفاق إلى دائرة الشك والمساءلة.
كتل برلمانية تطالب بالتجميد
نواب من كتل الوسط اليسار، والليبراليين، والخضر، واليسار أعلنوا صراحة أن الاتفاق لم يعد قابلاً للاستمرار في صورته الحالية. ونقلت مجلة “بوليتيكو” عن هؤلاء النواب تأكيدهم أن تعليق الاتفاق بات ضرورة سياسية، في ظل ما اعتبروه تهديداً مباشراً لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي هي الدنمارك، عبر المطالبة الأميركية بجرينلاند.
وشددت رئيسة لجنة السوق الداخلية في البرلمان الأوروبي، آنا كافاتسيني، على أن الظروف السياسية الحالية تجعل من المستحيل تمرير أي إجراءات تجارية تصب في مصلحة الولايات المتحدة، و من جانبه، رأى النائب الاشتراكي براندو بينيفيي، رئيس وفد العلاقات مع واشنطن، أن فتح نقاش شامل حول الاتفاق بات أمراً لا مفر منه.
بنود الاتفاق محل جدل
ينص الاتفاق على إخضاع غالبية صادرات الاتحاد الأوروبي إلى السوق الأميركية لتعريفة جمركية بنسبة 15%. في المقابل، يلتزم الاتحاد الأوروبي بإلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأميركية، بما في ذلك ضريبة 10% على السيارات، إلى جانب تسهيل دخول منتجات زراعية ومأكولات بحرية أميركية إلى الأسواق الأوروبية، وهي بنود زادت من حدة المعارضة داخل البرلمان.
وربط نواب كتلة “تجديد أوروبا” تمرير الاتفاق بالحصول على ضمانات أميركية واضحة بوقف الرسوم الجمركية والتهديدات ذات الطابع الأمني، وفي خطوة أكثر حدة، دعا النائب الدنماركي بير كلاوسن إلى تجميد العمل البرلماني المتعلق بالاتفاق، معتبراً أن تمريره في هذا التوقيت سيُفهم كمكافأة لسلوك ترمب التصعيدي.
تحفظ يمين الوسط الأوروبي
في المقابل، أبدى حزب الشعب الأوروبي، أكبر كتل البرلمان، تحفظه على ربط ملف جرينلاند بالاتفاق التجاري. ورأت مقررة الملف الأميركي داخل الحزب أن القضيتين منفصلتان، مع تأكيد قيادات أخرى داخل الحزب الاستعداد للتحرك إذا دعت الضرورة، رغم تمسكهم المبدئي بالحفاظ على استقرار التجارة عبر الأطلسي.
حسابات الأصوات داخل البرلمان
لا يملك حزب الشعب الأوروبي بمفرده الأصوات الكافية لتمرير الاتفاق، ما يجعل تحالف الاشتراكيين والليبراليين والخضر قادراً على تعطيله. ومن المنتظر أن يجتمع مفاوضو البرلمان الأوروبي لبحث الخيارات المتاحة، وسط ترقب لموقف موحد قد يغيّر مسار الاتفاق.
جرينلاند تلمّح لحوار مباشر مع واشنطن
على خط موازٍ، ألمحت وزيرة خارجية جرينلاند فيفيان موتسفيلدت إلى إمكانية فتح قنوات حوار مباشرة مع الولايات المتحدة من دون وساطة دنماركية، ويأتي ذلك قبيل اجتماع ثلاثي مرتقب يضم وزراء خارجية الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند، في أول لقاء من نوعه منذ إحياء ترمب لفكرة السيطرة على الجزيرة.
مخاوف دنماركية من تجاوز كوبنهاجن
رغم أن الدنمارك تتحمل دستورياً مسؤولية السياسة الخارجية لجرينلاند، أبدت كوبنهاجن قلقها من محاولات واشنطن التعامل مباشرة مع سلطات الإقليم، وأكدت موتسفيلدت في تصريحات إعلامية أن جرينلاند والدنمارك تتشاركان القيم نفسها، لكنها شددت في الوقت ذاته على حق جرينلاند في أن تكون في صدارة أي حوار يخص مستقبلها.
استقلال مؤجل وخلافات متصاعدة
جرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، تشهد نقاشاً داخلياً متزايداً حول الاستقلال، رغم ارتباط هذا الطموح بتحقيق قدرة اقتصادية تقلل الاعتماد على الدعم الدنماركي السنوي. وفي ظل التوترات السياسية الراهنة، تتفاقم الخلافات بين برلماني جرينلاند والدنمارك، وسط اتهامات بممارسات إقصائية و”استعمارية جديدة”، ما يعكس تعقيد المشهد السياسي في الجزيرة القطبية ومحيطها الدولي.







