في تصريحات لافتة حملت دلالات سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، شدّد الرئيس السوري أحمد الشرع على مركزية العلاقة السورية–المصرية، معتبرًا أن القاهرة تشكّل ركيزة أساسية في أي تصور سوري جديد للعمل العربي المشترك. هذه التصريحات تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تشهد فيه المنطقة تصدعات في التحالفات التقليدية، ومحاولات إعادة تموضع سياسي في ظل تحولات دولية وضغوط أمريكية متزايدة.
الطرح السوري الجديد أعاد فتح النقاش حول طبيعة السياسة الخارجية لدمشق في مرحلتها الراهنة، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو إعادة تعريف تحالفاتها الإقليمية، عبر بوابة عربية واضحة، يكون لمصر فيها دور محوري سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.
رسائل الشرع
تحمل تصريحات الرئيس أحمد الشرع رسائل متعددة المستويات، تبدأ من التأكيد على عمق العلاقات التاريخية بين دمشق والقاهرة، ولا تنتهي عند حدود التنسيق الثنائي. فالإشارة إلى “المركزية” لا توحي بعلاقة طبيعية بين دولتين فحسب، بل تعكس رغبة سورية في إعادة تثبيت مصر كفاعل عربي ضامن للتوازن الإقليمي، بعيدًا عن محاور الاستقطاب الحادة.
سياسيًا، يمكن قراءة هذه رسائل أحمد الشرع كإقرار سوري بأن استعادة الدور الإقليمي لا يمكن أن تتم دون غطاء عربي وازن، وأن مصر بما تملكه من ثقل سياسي ودبلوماسي قادرة على لعب دور الوسيط والداعم في آن واحد، خصوصًا في ملفات إعادة الإعمار، وعودة سوريا التدريجية إلى الفضاء العربي.
تحالفات قيد التشكّل
تطرح هذه التصريحات تساؤلًا مباشرًا حول ما إذا كانت المنطقة مقبلة على إعادة رسم للتحالفات الإقليمية. فالتأكيد السوري على البعد العربي، وتحديدًا المصري، يأتي في وقت تتراجع فيه بعض التحالفات القائمة على التدخلات الخارجية، وتزداد فيه كلفة الارتهان لمحاور غير عربية.
وفق قراءات سياسية، فإن دمشق تحاول تنويع خياراتها الإقليمية، وعدم حصر علاقاتها في أطر ضيقة، عبر الانفتاح المدروس على دول عربية محورية. هذا التوجه لا يعني بالضرورة القطيعة مع تحالفات قائمة، لكنه يشير إلى سعي لإعادة التوازن، وتخفيف الاعتماد على مسارات أثبتت محدودية نتائجها خلال السنوات الماضية.
البعد العربي
يبرز في الخطاب السوري الجديد تركيز واضح على البعد العربي بوصفه خيارًا استراتيجيًا لا تكتيكيًا. فإعادة الاعتبار للعلاقات مع مصر تعكس محاولة لإحياء مفهوم العمل العربي المشترك، الذي تراجع لصالح ترتيبات أمنية وسياسية فرضتها التدخلات الخارجية.
هذا البعد العربي، كما يظهر في تصريحات الشرع، يقوم على استعادة اللغة السياسية الجامعة، والبحث عن قواسم مشتركة تتعلق بالأمن القومي العربي، ورفض تفكيك المنطقة إلى ساحات نفوذ متصارعة. وهو طرح يجد صداه في القاهرة، التي لطالما شددت على ضرورة الحفاظ على وحدة الدول العربية ورفض سياسات الفوضى.
ما وراء الخطاب
وراء هذا الخطاب، تبرز حسابات واقعية تتعلق بموقع سوريا في النظام الإقليمي المقبل. فدمشق تدرك أن أي دور فاعل لها يحتاج إلى مظلة عربية قادرة على موازنة الضغوط الأمريكية والغربية، خصوصًا في ظل استمرار العقوبات، وتعقيدات المشهد الإقليمي الممتد من فلسطين إلى البحر الأحمر.
في هذا السياق، تبدو العلاقة السورية–المصرية كأحد مفاتيح إعادة التموضع، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على مستوى إعادة دمج سوريا في المعادلات العربية الكبرى، بعيدًا عن العزلة أو الارتهان.









