تشهد الخارطة الميدانية في الشمال السوري تطورات دراماتيكية متسارعة مع مطلع عام 2026، حيث أعلن الجيش السوري حالة الاستنفار القصوى في محيط مدينة حلب وريفها الشرقي.
تأتي هذه التحركات عقب رصد نشاط عسكري مكثف لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في جبهات دير حافر والباب، مما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مصير التفاهمات السياسية الهشة واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة شاملة تعيد رسم حدود السيطرة في المنطقة.
استنفار ميداني في حلب ودير حافر
حيث أن طائرات الاستطلاع رصدت خلال الساعات الـ 48 الماضية وصول تعزيزات عسكرية ضخمة لـ "قسد" إلى تخوم مدينة دير حافر وبلدة مسكنة بالريف الشرقي لحلب.
وشملت هذه التعزيزات أسلحة ثقيلة، ومنصات إطلاق صواريخ، وطائرات مسيرة، بالإضافة إلى مجاميع مسلحة وُصفت بأنها "عناصر أجنبية" تابعة لتنظيمات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
في المقابل، لم يقف الجيش السوري مكتوف الأيدي؛ حيث شهدت أحياء مدينة حلب، وتحديداً تلك المتاخمة لحيي الشيخ مقصود والأشرفية، انتشاراً أمنياً وعسكرياً غير مسبوق.
وجاء هذا الاستنفار بعد انسحاب آخر دفعات مقاتلي "قسد" من هذه الأحياء باتجاه شرق الفرات بموجب اتفاق برعاية دولية، إلا أن عمليات المسح الأمني كشفت عن وجود مستودعات أسلحة ضخمة وعبوات ناسفة تركها المقاتلون المغادرون، مما رفع منسوب التوتر في المدينة.
دلالات التحركات العسكرية في الشمال

تحمل التحركات العسكرية الأخيرة في شمال سوريا عدة دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد المناوشات الحدودية، حيث تشير الوقائع الميدانية إلى أن "قسد" تتنصل من بنود اتفاق مارس 2024 الذي نص على دمج المؤسسات العسكرية والمدنية تحت سيادة الدولة السورية والتحشيد في دير حافر يعكس رغبة "قسد" في الحفاظ على "جغرافيا نفوذ" تمنع تمدد الحكومة السورية نحو منابع النفط والغاز.
وتسعى القوى العسكرية في الشمال الشرقي إلى اختبار مدى جاهزية الجيش السوري الجديد، المكون من فصائل كانت معارضة سابقاً وتم دمجها في مؤسسة عسكرية موحدة بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024.
وتعتبر منطقة دير حافر مفتاحاً للسيطرة على محطات ضخ المياه “مثل محطة البابيري” وطرق الإمداد الحيوية التي تربط حلب بالرقة ودير الزور، وأي تحرك عسكري هناك يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض "حصار ناعم" على مدينة حلب اقتصادياً ومائياً.
إعادة التموضع الإقليمي
ولا يمكن فصل ما يحدث في حلب ودير حافر عن السياق الإقليمي الأوسع، فسوريا في عام 2026 باتت ساحة لإعادة تموضع القوى الكبرى:
حيث تضغط أنقرة بقوة لدفع الجيش السوري نحو الحسم في جيوب "قسد" المتبقية في تل رفعت ومنبج، معتبرة أن أي وجود عسكري لهذه القوات يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
وتحاول واشنطن موازنة الأمور عبر دعم "قسد" في حربها ضد فلول تنظيم "داعش"، وفي الوقت ذاته التوسط بين دمشق والقامشلي لمنع اندلاع حرب تستنزف حلفاءها في المنطقة.
وبدأت دمشق في الحصول على دعم لوجستي وتكنولوجي من قوى إقليمية ودولية تهدف إلى إعادة مركزية الدولة السورية وإنهاء وجود "الدويلات" داخل الحدود.
كما أن الوضع في ريف حلب الشمالي والشرقي مرشح للانفجار في أي لحظة، فبينما يعلن الجيش السوري عن استعادة السيطرة الكاملة على أحياء حلب وتفكيك خلايا التفخيخ، تطلق "قسد" طائرات مسيرة من مواقعها في دير حافر باتجاه نقاط تمركز الجيش.
هذا التوتر الميداني تزامن مع إغلاق المعابر النهرية والبرية في دير الزور وطريق أثريا، مما أدى إلى شلل في حركة البضائع ورفع أسعار المواد الأساسية، وهو ما يراه المراقبون "حرب استنزاف متبادلة" تسبق عملية برية محتملة.
سيناريوهات المرحلة القادمة
أمام هذا الواقع المعقد، تبدو السيناريوهات محصورة في اتجاهين وهو سيناريو الحسم العسكري و قيام الجيش السوري بعملية خاطفة لتطهير ريف حلب الشرقي وتأمين المنشآت الحيوية، وهو سيناريو يحظى بدعم إقليمي واسع ولكنه قد يواجه فيتوات دولية وسيناريو "تجميد الصراع" والعودة إلى طاولة المفاوضات بضغط أمريكي-روسي، وفرض منطقة عازلة جديدة تضمن انسحاب الأسلحة الثقيلة من خطوط التماس في دير حافر ومنبج.
يبقى الشمال السوري في مطلع 2026 "برميلاً من البارود" ينتظر شرارة المواجهة. فبين استنفار الجيش السوري وإعادة تموضع "قسد" وحلفائها، تظل وحدة الأراضي السورية هي المحك الحقيقي الذي ستحدده الأيام القادمة، وسط آمال شعبية بأن تنتهي هذه التوترات دون الانزلاق إلى جولة جديدة من الدماء.











