4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حلب بعد خروج "قسد".. تحولات ميدانية تعيد رسم النفوذ داخل المدن الكبرى

تشهد مدينة حلب، شمال غربي سوريا، مرحلة مفصلية مع إعلان إخراج عناصر قوات سوريا الديمقراطية «قسد» من أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود

بقلم: شيماء مصطفى
١١ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
14 مشاهدة
أشخاص يحتفلون بالقرب من قوات أمن سورية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب شمال غرب سوريا. 10 يناير 2026 - REUTERS

أشخاص يحتفلون بالقرب من قوات أمن سورية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب شمال غرب سوريا. 10 يناير 2026 - REUTERS

تشهد مدينة حلب، شمال غربي سوريا، مرحلة مفصلية مع إعلان إخراج عناصر قوات سوريا الديمقراطية «قسد» من أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود، في تطور أمني وسياسي يعكس تحولات أعمق في خريطة السيطرة داخل المدن السورية الكبرى.

 هذا التطور، الذي جاء بعد أيام من الاشتباكات العنيفة مع القوات الحكومية، لا يقتصر على كونه تهدئة ميدانية مؤقتة، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع لتراجع نفوذ «قسد» داخل المراكز الحضرية، مقابل إعادة تموضعها في مناطق نفوذها التقليدية شمال وشرق البلاد.

حلب: إعلان الخروج 

إعلان «العودة التدريجية للاستقرار» في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، ترافق مع رسائل رسمية ركزت على استعادة الدولة لزمام الأمور داخل مدينة تعد من أهم العواصم الاقتصادية والسكانية في سوريا، وأكد محافظ حلب عزام الغريب أن الجهات المختصة بدأت إجراءات ميدانية لتثبيت الأمن وإعادة الحياة الطبيعية، في خطاب حمل دلالات سياسية واضحة حول رفض أي فراغ أمني داخل المدينة، والتأكيد على وحدة النسيج الاجتماعي وعودة المؤسسات الرسمية إلى ممارسة دورها الكامل.

هذا الخطاب يعكس سعي الحكومة السورية لتكريس فكرة أن ما جرى ليس مجرد انسحاب عسكري، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة بسط السيطرة على كامل الجغرافيا الحضرية، ومنع تكرار سيناريو الجيوب المسلحة داخل المدن.

خروج «قسد» من الأحياء الثلاثة

إعلان قائد «قسد» مظلوم عبدي التوصل إلى تفاهم يقضي بوقف إطلاق النار وإخراج المقاتلين والمدنيين والجرحى من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، تزامن مع معلومات عن شمول حي بني زيد أيضاً بعملية الإخلاء، ما منح الخطوة بعداً أوسع من مجرد معالجة اشتباكات موضعية.

ورغم غياب إعلان رسمي سوري عن تفاصيل هذا التفاهم، أكدت وسائل إعلام رسمية خروج آخر دفعات «قسد» من المدينة، لتطوى بذلك صفحة وجود استمر منذ عام 2011 داخل أحياء استراتيجية. هذا الخروج يمثل سابقة لافتة، إذ يعد أول انسحاب كامل لـ«قسد» من مدينة كبرى بهذا الحجم، ما يمنحه دلالة سياسية تتجاوز السياق الأمني المباشر.

تراجع نفوذ «قسد» داخل المدن الكبرى

إخراج «قسد» من أحياء حلب يعكس تحولاً في معادلة القوة، ويشير إلى تقلص هامش الحركة أمامها داخل المدن المكتظة بالسكان. فخلال السنوات الماضية، شكّل الوجود داخل أحياء حضرية ورقة ضغط سياسية وعسكرية، إلا أن التطورات الأخيرة تظهر أن هذا النموذج بات مكلفاً، سواء من حيث الاحتكاك المباشر مع القوات الحكومية أو من حيث التداعيات الشعبية والإنسانية.

في المقابل، يبدو أن «قسد» تعيد تركيز نفوذها في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث تتمتع بعمق جغرافي واجتماعي أكبر، وبحضور عسكري أقل عرضة للاستنزاف، هذا التحول قد يعكس قناعة بأن إدارة المدن الكبرى لم تعد خياراً قابلاً للاستمرار، في ظل الضغوط المحلية والدولية المتزايدة.

روايتان متعارضتان للتصعيد والتهدئة

على الرغم من إعلان وقف العمليات العسكرية داخل الشيخ مقصود، عادت المؤسسة العسكرية السورية لتتهم «قسد» بالتصعيد عبر استهداف المدينة بطائرات مسيّرة، ووصفت ذلك بأنه اعتداء على المدنيين والبنية التحتية. هذا التناقض في السرديات يبرز هشاشة التفاهمات القائمة، ويؤكد أن ما تحقق حتى الآن أقرب إلى هدنة اضطرارية، فرضتها الوقائع الميدانية، لا إلى اتفاق سياسي متكامل.

غياب الثقة المتبادل يظل عاملاً حاكماً في العلاقة بين الطرفين، ويجعل أي تهدئة عرضة للانهيار في حال تغيّرت موازين القوى أو الحسابات الإقليمية.

حلب في الحسابات الدولية

ويضيف التحرك الأميركي بعداً دولياً للمشهد، وذلك مع إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك استعداد واشنطن لتسهيل تواصل «بنّاء» بين الحكومة السورية و«قسد»، هذا الموقف يعكس سياسة أميركية قائمة على الموازنة بين دعم الحكومة السورية في المرحلة الانتقالية، والحفاظ في الوقت ذاته على الشراكة مع «قسد».

التحذيرات الأميركية من أن العنف في حلب قد يقوض ما تحقق منذ ديسمبر 2024، تشير إلى أن المدينة باتت اختباراً فعلياً لمسار «سوريا الجديدة»، خاصة في ظل الحديث عن رفع العقوبات وإعادة دمج دمشق تدريجياً في الإقليم. حلب، بحكم رمزيتها، أصبحت معياراً لقياس نجاح أو فشل المرحلة الانتقالية.

اتفاقات مؤجلة ومستقبل غامض

الاتفاق الموقع في مارس 2025 بين الحكومة السورية و«قسد» بشأن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة، لا يزال دون تطبيق فعلي، إخراج «قسد» من أحياء حلب قد يُقرأ على أنه ضغط عملي لدفعها نحو الالتزام بمسار الاندماج، أو على الأقل تقليص نفوذها خارج مناطق سيطرتها الأساسية.

غير أن استمرار الخلافات حول مفهوم السيادة، وطبيعة الحكم، وشكل المؤسسة العسكرية، يجعل مستقبل هذا الاتفاق مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تسوية تدريجية أو عودة التوتر بشكل مختلف.

ما جرى في حلب يمثل محطة انتقالية في مسار إعادة ترتيب النفوذ داخل سوريا. إخراج «قسد» من أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود يعكس اتجاهاً نحو إنهاء وجود القوى المسلحة غير الحكومية داخل المدن الكبرى، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الصراع.

الاستقرار يبقى نسبياً ومشروطاً بقدرة الدولة على تثبيت الأمن، وبمدى استعداد «قسد» للتكيف مع معادلات جديدة أقل حضوراً في المدن وأكثر تركيزاً على مناطق النفوذ التقليدية. وفي مدينة بحجم حلب، فإن أي خلل أمني قد يعيد إنتاج التوتر، ليس محلياً فقط، بل على مستوى المشهد السوري بأكمله.

وتُعد حلب واحدة من أهم المدن السورية تاريخياً واقتصادياً، وشهدت منذ عام 2011 تحولات جذرية في خريطة السيطرة العسكرية. خلال سنوات الحرب، شكّلت أحياؤها ساحة صراع بين أطراف محلية وإقليمية ودولية، وكان وجود «قسد» في بعض أحيائها جزءاً من هذا المشهد المعقد. ومع التغيرات السياسية التي أعقبت نهاية عام 2024، باتت حلب مركز اختبار حاسم لمسار الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية، وقدرتها على إعادة توحيد الجغرافيا، وإنهاء ظاهرة الجيوب المسلحة داخل المدن الكبرى.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال