تشهد أروقة محكمة العدل الدولية في لاهاي فصلاً جديداً من فصول المساءلة القانونية الدولية، حيث تتجه الأنظار نحو القضية المرفوعة ضد ميانمار “بورما سابقاً” بتهمة ارتكاب إبادة جماعية بحق أقلية الروهينغا المسلمة، حيث يمثل هذا المسار القانوني اختباراً حقيقياً لفاعلية النظام الدولي في حماية الأقليات ومحاسبة الدول المتهمة بانتهاك أسمى القوانين الإنسانية.

الخلفية القانونية والجذور التاريخية للقضية
حيث بدأت هذه الملحمة القانونية في نوفمبر 2019، عندما قدمت غامبيا بدعم من منظمة التعاون الإسلامي، دعوى رسمية أمام محكمة العدل الدولية، استندت غامبيا في دعواها إلى أن ميانمار انتهكت التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
المحطات الرئيسية في المسار القانوني
ففي أغسطس 2017 شنت قوات الأمن في ميانمار عملية عسكرية واسعة في ولاية "راخين"، وصفتها الأمم المتحدة بأنها "نموذج مثالي للتطهير العرقي"، مما أدى لفرار أكثر من 700 ألف روهينغي إلى بنغلاديش.

وفي يناير 2020 أصدرت المحكمة "تدابير مؤقتة" أمرت فيها ميانمار بمنع كافة أعمال الإبادة الجماعية ضد الروهينغا والحفاظ على الأدلة المتعلقة بالجرائم السابقة.
وفي يوليو 2022 رفضت المحكمة الدفوع الأولية التي قدمتها ميانمار، مؤكدة اختصاصها بالنظر في القضية، ومعترفة بحق غامبيا كدولة طرف في الاتفاقية في رفع الدعوى نيابة عن المجتمع الدولي.
جوهر الاتهامات والدفوع القانونية
تركز القضية على إثبات "نية الإبادة الجماعية" ، ووفقاً للخبراء، فإن التحدي يكمن في إثبات أن القتل الجماعي، والاغتصاب المنهجي، وتدمير القرى لم يكن مجرد "عمليات تطهير للمتمردين" كما تدعي ميانمار، بل كان يهدف لتدمير الروهينغا كلياً أو جزئياً.
ما هي الأدلة القانونية المقدمة؟

وضمن الأدلة المقدمة تقارير بعثات تقصي الحقائق التي وثقت عمليات قتل واسعة النطاق واغتصاب جماعي وخطاب الكراهية و التحريض الرسمي والمجتمعي الذي جرد الروهينغا من إنسانيتهم والحرمان من المواطنة والقوانين التمييزية التي تمنع الروهينغا من حقوقهم الأساسية منذ عام 1982 وتثير هذه القضية تساؤلاً جوهرياً هل تستطيع محكمة العدل الدولية تحقيق العدالة فعلياً؟.
فرص المحاسبة
إن مجرد قبول القضية يعد انتصاراً معنوياً وقانونياً للضحايا، حيث يكسر حاجز الإفلات من العقاب و ستقوم المحكمة بوضع سردية قانونية رسمية غير قابلة للنقض حول ما حدث، مما يحرم قادة ميانمار من إنكار الجرائم مستقبلاً كما أن الأحكام الصادرة عن المحكمة تزيد من عزلة النظام في ميانمار دولياً وتحفز العقوبات الاقتصادية.
حدود العدالة
ولا تملك محكمة العدل الدولية "شرطة" لتنفيذ أحكامها، حيث تعتمد المحكمة على مجلس الأمن الدولي، حيث يمكن لبعض الدول الكبرى مثل الصين استخدام حق النقض Veto لحماية حلفائها في ميانمار والقضايا أمام المحكمة قد تستغرق سنوات طويلة، بينما يظل الروهينغا في مخيمات اللجوء تحت ظروف قاسية.
كما أن محكمة العدل الدولية تحاكم "دولاً" وليس "أفراداً". للمحاسبة الجنائية للقادة، يجب اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وهي مسار منفصل ومعقد أيضاً.
تمثل جلسات محكمة العدل الدولية في قضية إبادة الروهينغا بارقة أمل لملايين المهجرين والمضطهدين، ورغم المعوقات السياسية وغياب الآليات التنفيذية الصارمة، إلا أن المسار القانوني يظل الأداة الأقوى لنزع الشرعية عن مرتكبي الجرائم وضمان عدم نسيان مأساة الروهينغا في غمرة الأزمات العالمية.

حيث أن العدالة الدولية قد تكون بطيئة، لكنها في هذه القضية تضع الأساس القانوني الذي لا يمكن تجاوزه لأي تسوية مستقبلية تضمن حقوق الروهينغا كمواطنين كاملي الأهلية في وطنهم.










