تتجه الأنظار إلى المساعي الجارية لتشكيل لجنة إدارية تتولى إدارة شؤون قطاع غزة في المرحلة المقبلة، وسط آمال معلّقة بأن تشكل هذه الخطوة مدخلاً حقيقياً لتخفيف حدة الانهيار الاقتصادي وإعادة تحريك عجلة الحياة.
وأكد الخبير والمحلل الاقتصادي الفلسطيني محمد خالد أبو جياب في حديث خاص لموقع 180 تحقيقات، أن نجاح تشكيل اللجنة وبدءها العمل وفق الصيغة المتوافق عليها فلسطينياً قد يفتح الباب أمام انتقالة إيجابية مهمة على المستوى الاقتصادي، لا سيما فيما يتعلق بأداء المعابر وحركة التجارة والتدفقات السلعية نحو قطاع غزة.
المعابر مفتاح الانفراجة الأولى

ويرى أبو جياب أن أحد أهم الملفات التي ستنعكس سريعاً على الواقع المعيشي هو تحسين أداء المعابر وزيادة وتيرة دخول الواردات والمساعدات، موضحاً أن أي تسهيل في حركة البضائع سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض تدريجي في أسعار السلع التي وصلت خلال الشهور الماضية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
ويضيف: إذا تمكنت اللجنة من العمل بصورة طبيعية، فإن ذلك سينعكس مباشرة على وفرة السلع في الأسواق، وقد نشهد عودة تدريجية للأسعار إلى مستويات أقرب للطبيعية، وهو ما سيخفف جزءاً مهماً من العبء عن المواطنين الذين استُنزفت قدرتهم الشرائية بالكامل.
المساعدات ومخيمات النزوح
ولا يقتصر الأثر الإيجابي المحتمل، وفق أبو جياب، على الأسواق فقط، بل يمتد ليشمل تعزيز تدفق المساعدات الإنسانية لمخيمات النزوح واللاجئين في مختلف مناطق القطاع، وهي قضية باتت تمثل أولوية قصوى في ظل اتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

ويشير إلى أن تسهيل إدخال المساعدات وتنظيم توزيعها بشكل أفضل قد يساهم في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يعيشها سكان غزة، خصوصاً مع استمرار النزوح وتدمير مساحات واسعة من البنية التحتية والمساكن.
بطالة تتجاوز 85%… اقتصاد مشلول
ويحذر أبو جياب من أن الواقع الاقتصادي الحالي في غزة يقترب من مرحلة الشلل شبه الكامل، لافتاً إلى أن أكثر من 85% من السكان باتوا خارج سوق العمل وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في واحدة من أعلى نسب البطالة المسجلة عالمياً.
ويقول إن استمرار هذا الوضع دون تدخلات جذرية سيقود إلى انهيارات اجتماعية أعمق، ويجعل أي عملية تعافٍ اقتصادي لاحقاً أكثر كلفة وتعقيداً.
إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية
ومن بين أبرز الآمال المعقودة على اللجنة المرتقبة، بحسب أبو جياب، هو تهيئة الظروف لعودة القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية والخدمية إلى العمل بشكل تدريجي وأكثر استقراراً، شريطة أن يُسمح لها بالعمل بحرية ودون قيود مشددة من الاحتلال الإسرائيلي.
ويؤكد أن إعادة تشغيل هذه القطاعات تمثل العمود الفقري لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي، لأنها لا توفر فرص عمل فقط، بل تعيد بناء الدورة الاقتصادية الداخلية وتقلل الاعتماد الكامل على المساعدات.
البنية التحتية: الأساس لأي نهوض اقتصادي
ويشدد أبو جياب على أن نجاح أي خطة اقتصادية يبقى مرهوناً بملف إعادة إعمار وإصلاح البنية التحتية المدمرة، بما يشمل شبكات المياه والطرق والمجاري والصرف الصحي ومياه الشرب، إضافة إلى قطاع الطاقة.
ويقول: لا يمكن الحديث عن انتعاش اقتصادي في ظل غياب الخدمات الأساسية. إصلاح البنية التحتية ليس ترفاً، بل هو شرط أولي لعودة النشاط الاقتصادي والحياة الطبيعية.
تمويل دولي… ولكن بشروط سياسية
وعلى صعيد التمويل، يكشف أبو جياب أن هناك معلومات متداولة عن تخصيص صندوق مالي دولي لدعم عمل اللجنة وتأمين نجاح خططها ومشاريعها، وهو ما قد يشكل رافعة حقيقية لجهود إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد.
إلا أنه يحذر في الوقت نفسه من أن التعقيدات السياسية والأمنية والرقابية، خاصة من جانب الاحتلال الإسرائيلي، قد تعيق الاستفادة الكاملة من هذا التمويل أو تؤخر تنفيذ المشاريع الحيوية.
الاحتلال والعقبات المتوقعة
ويعتبر أبو جياب أن التحدي الأكبر أمام اللجنة لن يكون فنياً أو إدارياً فقط، بل سياسياً بامتياز، في ظل ما وصفه بـ”محاولات الاحتلال المستمرة للتحكم بإيقاع الحياة في غزة عبر القيود والحصار والإجراءات المعقدة”.
ويتساءل: كيف ستتعامل الإدارة الدولية والمجتمع الدولي ودول الوساطة مع هذه التعقيدات؟ وهل ستنجح في الضغط على إسرائيل لتوفير مساحة حقيقية لعمل اللجنة أم أن الأمور ستبقى رهينة الحسابات الأمنية والسياسية؟
أجواء تفاؤل حذر
رغم كل هذه التحديات، يرى أبو جياب أن هناك حالة من التفاؤل الحذر تسود الأوساط الاقتصادية، خاصة في ظل ما تردد عن مباركة مختلف الجهات الفلسطينية، سواء في رام الله أو في غزة، لتشكيل اللجنة، وهو ما يوفر لها غطاءً سياسياً ومعنوياً مهماً.
ويضيف أن هذا التوافق النسبي قد يمنح اللجنة فرصة حقيقية للحصول على دعم وإسناد محلي ودولي لإنجاح مهامها، خصوصاً في الجوانب الإنسانية والإغاثية وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية.
ما بين الفرصة والمخاطر
واختتم أبو جياب إلى أن غزة تقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي حاسم، فإما أن تنجح اللجنة في فتح كوة في جدار الحصار والانهيار، وتضع القطاع على مسار تعافٍ تدريجي طويل ومؤلم، وإما أن تصطدم بالقيود السياسية والأمنية، فتتبدد الآمال سريعاً.
كما قال إن “الكرة ليست في ملعب اللجنة وحدها، بل في ملعب المجتمع الدولي ودول الوساطة أيضاً. إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية، يمكن للاقتصاد الغزي أن يلتقط أنفاسه من جديد، ولو ببطء”.










