4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

لقمة مغمسة بالقيود.. كيف حول الاحتلال "البحث عن العمل" إلى جريمة تستوجب التعذيب والاحتجاز اللاإنساني؟

لقمة مغمسة بالقيود.. كيف حول الاحتلال "البحث عن العمل" إلى جريمة تستوجب التعذيب والاحتجاز اللاإنساني؟

بقلم: محمد خميس
١٤ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
9 مشاهدة
العمالة في غزة

العمالة في غزة

في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التضييق الاقتصادي على الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026، برز ملف العمال الفلسطينيين كأحد أكثر الملفات إثارة للقلق الحقوقي والإنساني. 

فلم تعد ملاحقة العمال الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 مجرد إجراء إداري لضبط "التواجد غير القانوني"، بل تحولت إلى سياسة أمنية عقابية ممنهجة تهدف إلى كسر كرامة العامل الفلسطيني واحتجازه في ظروف وُصفت بأنها "لا تليق بالبشر".

كشفت المداولات القضائية الأخيرة في محكمة الصلح بالقدس عن فظائع يندى لها الجبين؛ حيث أفاد المعتقلون والوفود القانونية عن احتجاز عمال في "أقفاص" مكشوفة تفتقر لأدنى شروط الحياة، في مستوطنة "عطيروت"، رويت قصة عامل فلسطيني قيدت يداه وقدماه لعدة ليالٍ في زنزانة خارجية مكشوفة في برد القدس القارس.

 

وأكد المحامي فارس مصطفى أمام المحكمة وفق للمركز الفلسطيني للإعلام أن موكله احتُجز داخل "قفص من التنك مع قضبان"، دون جدران تحميه من الرياح، في مشهد يعيد للأذهان العصور المظلمة. 

 

الصدمة الكبرى كانت في إفادة المعتقل الذي أكد بقاءه مكبلاً ومنعه من استخدام المرحاض لمدة أربعة أيام متواصلة، مما دفع القاضي للإفراج عنه مرغماً، معتبراً أن هذه الظروف تمس بالصحة والكرامة الإنسانية بشكل صارخ.

ولا يختلف المشهد في جنوب البلاد عن قدسها؛ ففي مركز "شرطة عراد"، كشفت المحامية أييلت كوهين من هيئة الدفاع العام عن كارثة إنسانية، حيث تم حشر 34 عاملاً فلسطينياً داخل زنزانة واحدة ضيقة لا تتسع إلا لعدد محدود، ووصفت المحامية المشهد قائلة: "كانوا يقفون مثل السردين، لا مكان للنوم، ولا حتى للجلوس".

وعندما طالب هؤلاء العمال بحقهم الطبيعي في استخدام المرحاض، جاء الرد الصادم من السجانين: "اقضوا حاجتكم الواحد على الآخر"، ورغم فظاعة المشهد، رفض القضاء الإسرائيلي في كثير من الحالات التدخل الجدي، مبرراً ذلك بأنها "فترة احتجاز أولى"، مما يعطي الضوء الأخضر للشرطة لمواصلة انتهاكاتها.

وتتجاوز الانتهاكات الجانب المادي لتصل إلى الإذلال النفسي واللفظي. ففي مراكز شرطة النقب، أبلغ أحد العمال المحكمة بأن أحد أفراد الشرطة خاطبه بلهجة عنصرية قائلاً: "أنت متواجد غير قانوني وليس لديك حقوق في هذه الدولة". 

 

هذا التصريح يلخص العقيدة التي تتعامل بها أجهزة الاحتلال مع العامل الفلسطيني؛ فهو في نظرهم "كيان بلا حقوق"، يُسمح بتجويعه وحرمانه من النوم، حيث أفاد معتقلون بأنهم لم يحصلوا سوى على "ساندويش واحد" طوال أيام الاحتجاز، مع إجبارهم على المبيت جالسين على كراسٍ معدنية باردة.

 

إن مأساة العامل الفلسطيني في عام 2026 ليست مجرد قصة "تجاوز حدود" أو بحث عن تصريح عمل، بل هي فصل من فصول الصمود الأسطوري لشعب يُطارد في رزقه كما يُطارد في أرضه. 

 

إن هؤلاء العمال الذين يخرجون فجراً، لا يحملون سوى أمل بسيط في تأمين حليب أطفالهم، ليجدوا أنفسهم فجأة خلف قضبان أقفاص "عطيروت" أو محشورين في زنازين "عراد" المظلمة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال