دخلت العلاقة بين الأمم المتحدة وسلطات الاحتلال الإسرائيلي نفقاً مسدوداً في مطلع عام 2026، مع وصول الصراع حول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” إلى ذروة قانونية غير مسبوقة.
فبعد سنوات من الضغوط والاتهامات، انتقل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من لغة "القلق" إلى لغة "الإنذار القضائي"، مهدداً بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية في حال استمرارها في تنفيذ قوانين الحظر ومصادرة ممتلكات الوكالة الدولية.
ففي رسالة وصفت بالـ "تاريخية" والحازمة، وجه غوتيريش في الثامن من يناير الحالي خطاباً مباشراً إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فالرسالة لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حملت اتهاماً صريحاً لإسرائيل بمخالفة التزاماتها بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وشدد غوتيريش على أن المنظمة الدولية "لا يمكن أن تظل غير مبالية" بالإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف شريان الحياة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وطالب بالتراجع الفوري عن القوانين التي أقرتها الكنيست في أكتوبر 2024، والتي تحظر نشاط الوكالة، بالإضافة إلى إعادة الأصول والمقار التي تم الاستيلاء عليها في القدس الشرقية المحتلة الشهر الماضي.
الترسانة القانونية للكنيست

لم تكتفِ سلطات الاحتلال بحظر النشاط الإداري للوكالة، بل صعدت إجراءاتها لتشمل "تجفيف" مقومات البقاء الميداني، فوفقاً للتعديلات التشغيلية التي أقرتها الكنيست الشهر الماضي حظر تزويد منشآت الأونروا بالكهرباء والمياه، في خطوة وصفتها المنظمات الحقوقية بـ "العقاب الجماعي الممنهج" ومنع المسؤولين الإسرائيليين من التواصل مع موظفي الوكالة، مما يشل أي قدرة على التنسيق الإنساني ومصادرة مقار الوكالة في القدس الشرقية المحتلة وتحويلها لاستخدامات تابعة للاحتلال، متجاهلة الحصانة الدولية التي تتمتع بها مقار الأمم المتحدة.
وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، برر هذه الخطوات بمزاعم وصفتها الأمم المتحدة بالواهية، معتبراً الوكالة "ذراعاً تنفيذية لحركة حماس"، وهو ما نفته الأونروا مراراً، مؤكدة التزامها التام بمبادئ الحياد الإنساني.
في المقابل، جاء الرد الإسرائيلي عبر سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة، داني دانون، ليعكس حالة من التمرد على المنظومة الدولية، دانون صرح بوضوح بأن إسرائيل "ليست منزعجة" من تهديدات غوتيريش، متهماً الأمين العام بالدفاع عما وصفه بـ "منظمة ضالعة في الإرهاب"، هذا الخطاب التصعيدي يشير إلى أن إسرائيل ماضية في خطة إنهاء قضية اللاجئين عبر تصفية الأداة الشاهدة عليها وهي "الأونروا".
السياق الإنساني
تأتي هذه المواجهة القانونية في توقيت كارثي للفلسطينيين؛ فبعد سنتين من حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي على قطاع غزة “7 أكتوبر 2023 - 10 أكتوبر 2025”، دُمرت البنية التحتية بالكامل، وأصبح 2.3 مليون إنسان يعتمدون بشكل حصري تقريباً على خدمات الأونروا الغذائية والطبية.
إن إصرار إسرائيل على تصفية الوكالة في هذا التوقيت يُعد، بحسب خبراء القانون الدولي، جزءاً لا يتجزأ من جريمة الإبادة؛ فمنع الدواء والغذاء والماء عبر حظر الوكالة الإغاثية الوحيدة القادرة على العمل في الميدان، هو وسيلة للقتل الجماعي "بأدوات تشريعية".
إذا لم تتراجع إسرائيل، فإن غوتيريش يمتلك صلاحية طلب "رأي استشاري" من محكمة العدل الدولية، أو حتى تحريك دعوى عبر الجمعية العامة حول انتهاك اتفاقية مزايا وحصانات الأمم المتحدة (1946).
هذا المسار قد يؤدي إلى عزل إسرائيل دبلوماسياً بشكل أكبر، وقد يفتح الباب أمام فرض عقوبات دولية إذا ما اعتبرت المحكمة أن أفعال إسرائيل تهدد السلم والأمن الدوليين وتعرقل عمل المنظمة الدولية.










