في وقتٍ يتصاعد فيه الجدل حول مستقبل الطاقة في العراق، ووسط حديث حكومي متكرر عن التحرر من الاعتماد على الغاز الإيراني وتحقيق “سيادة الطاقة”، تبرز تساؤلات مهمه وهي، هل يمتلك العراق فعلاً قراره الطاقي؟ وهل يستطيع كسر القيد الإيراني عبر تطوير الغاز المحلي؟.
وحول هذا الأمر وضع أ.د. عبد الكريم الوزان، الأكاديمي والمحلل المختص بشؤون الطاقة، النقاط فوق الحروف في حديث خاص لـ”180 تحقيقات”، مؤكدًا أن العراق اليوم لا يستطيع لا كسر البوابة الإيرانية ولا فتح البوابة المحلية بإرادته الكاملة”، لأن البلاد وفق توصيفه “تُدار بريموت كنترول أمريكي سياسيًا واقتصاديًا.

عبد الكريم الوزان
ويرى الوزان أن المشكلة ليست فنية أو تقنية فقط، بل سياسية بامتياز حيث يقول: “العراق اليوم لا يتحرك وفق إرادته المستقلة في ملف الطاقة، القرار الاقتصادي والسياسي مرتهن للولايات المتحدة، من خلال الشركات الأمريكية، ومن خلال الخزانة الأمريكية، ومن خلال شبكة النفوذ العسكري والسياسي المباشر”، ويضيف أن المشهد الحالي يجعل أي حديث عن “سيادة الطاقة” مجرد شعار سياسي ما لم يتغير إطار القرار السيادي نفسه.
هل يستطيع العراق الاستغناء عن الغاز الإيراني؟
ووفق الوزان، فإن هذا الاعتماد لا يُفهم فقط من زاوية الحاجة الفنية، بل من زاوية إدارة التوازنات الدولية داخل العراق.
ويؤكد: “العراق عمليًا لم يعد ساحة نفوذ إيراني كما كان يُروّج سابقًا، والنفوذ الحاسم اليوم هو النفوذ الأمريكي، وما يجري هو إدارة ملف الطاقة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية، وليس مع المصالح العراقية الخالصة”.

ويرى أن إيران لم تعد اللاعب المؤثر كما في السابق في تحديد مسار الطاقة العراقي، وأن وجودها بات هامشيًا مقارنة بحجم الهيمنة الأمريكية على مفاصل القرار الاقتصادي والمالي.
الغاز المحلي… مشروع مؤجل بإرادة سياسية؟
وتعلن الحكومات العراقية المتعاقبة عن مشاريع لاستثمار الغاز المصاحب وتقليل الحرق والوصول إلى الاكتفاء الذاتي خلال سنوات قليلة. لكن هذه الوعود تتكرر دون أن تتحقق بالكامل.
ويعلّق الوزان على ذلك بالقول إن المشكلة ليست في القدرة التقنية، بل في “من يقرر ومتى وكيف”.
ويضيف: “العراق قادر فنيًا على استثمار غازه المحلي خلال فترة زمنية معقولة، لكنه غير قادر سياسيًا على تحويل هذا الملف إلى مشروع سيادي مستقل خارج حسابات واشنطن”.
ويشير إلى أن معظم عقود تطوير الغاز الكبرى مرتبطة بشركات أمريكية أو غربية تعمل ضمن الرؤية الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة، وليس ضمن رؤية عراقية مستقلة طويلة المدى.
“ريموت كنترول أمريكي” يدير المشهد
في توصيف حاد للواقع السياسي، يقول الوزان إن العراق اليوم “يُدار عن بُعد”، موضحًا: “سافايا ممثل ترامب سابقًا، والجنرالات الأمريكيون، والشركات الكبرى، والخزانة الأمريكي، كلهم يتحكمون بشكل أو بآخر في المسار الاقتصادي العراقي، وملف الطاقة في القلب من هذا التحكم”.
ويؤكد أن مستقبل الطاقة في العراق سيكون “متوافقًا مع مستقبل الطاقة الأمريكي ومجرياته”، أي أنه سيوجَّه سياسيًا واقتصاديًا بما يخدم مصالح واشنطن في المنطقة، سواء تعلق الأمر بمنافسة الصين، أو بمحاصرة روسيا، أو بإدارة التوازنات مع دول الخليج وإيران.

هل انتهى النفوذ الإيراني فعلاً؟
رغم الخطاب السائد عن استمرار التأثير الإيراني في العراق، يرى الوزان أن هذا التأثير “لم يعد وجوديًا أو حاسمًا” في ملف الطاقة تحديدًا، حيث قال إن إيران اليوم ليست من يقرر مستقبل الطاقة في العراق. القرار الحقيقي أصبح أمريكيًا، وإيران خرجت عمليًا من المعادلة الكبرى، وباتت مجرد عنصر ثانوي في مشهد أكبر”، لكن هذا لا يعني بحسبه أن العراق أصبح مستقلاً، بل على العكس، انتقل من دائرة تبعية إلى دائرة تبعية أخرى.
إلى أين يتجه مستقبل الطاقة في العراق؟
بحسب رؤية الوزان، فإن مستقبل الطاقة في العراق مرهون بثلاثة عوامل رئيسية استمرار الهيمنة الأمريكية على القرار الاقتصادي والمالي وغياب مشروع وطني مستقل لإدارة الثروة النفطية والغازية وتحويل ملف الطاقة إلى ورقة في الصراع الدولي بدل كونه مشروع تنمية سيادي.
ويختم بالقول “العراق لن يحقق سيادة الطاقة لا عبر البوابة الإيرانية ولا عبر البوابة المحلية، ما دام القرار النهائي لا يُصنع في بغداد، بل يُصنع خارجها”.









