أوضح الدكتور طالب محمد كريم، أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية، في حديث خاص لموقع “180 تحقيقات”، أن ما جرى تداوله إعلامياً لا يعبّر بدقة عن حقيقة ما حدث، مؤكداً أن الواقعة تتعلق بإجراء دبلوماسي محدود يتمثل في عدم رغبة الدولة المضيفة في استمرار عمل أحد موظفي البعثة، وهو إجراء معمول به في الأعراف الدبلوماسية الدولية ولا يمكن تصنيفه بوصفه “طرداً” رسمياً أو أزمة سياسية بين دولتين.
ما الذي حدث فعلياً؟
ووفق الدكتور طالب، فإن الولايات المتحدة لم تُصدر أي إعلان رسمي عن تصنيف دبلوماسيين عراقيين بوصفهم “أشخاصاً غير مرغوب فيهم”، وهو الإجراء القانوني والدبلوماسي الذي يُعدّ في العادة مؤشراً على أزمة حقيقية أو تصعيد سياسي واضح.
كما لم تُسجّل أي خطوات لاحقة تشير إلى تدهور جوهري في مسار العلاقات بين بغداد وواشنطن، سواء على مستوى التمثيل الدبلوماسي أو التنسيق السياسي والأمني.
ويشير إلى أن مثل هذه الإجراءات الإدارية تحدث بشكل دوري بين الدول، وغالباً ما تكون مرتبطة باعتبارات تنظيمية أو إدارية أو حتى تقييمات داخلية لدى الدولة المضيفة، ولا تعني بالضرورة وجود خلاف سياسي عميق أو رغبة في توجيه رسالة سلبية للطرف الآخر.
بين الإجراء الإداري والقرار السياسي
ويؤكد أستاذ الفكر السياسي أن الإشكالية الأساسية في هذه القضية تكمن في الخلط بين “الإجراء الإداري” و”القرار السياسي”، فالأول يدخل في إطار إدارة العلاقات الدبلوماسية اليومية بين الدول، وقد يحدث حتى بين الدول الحليفة أو ذات العلاقات الاستراتيجية الوثيقة، بينما الثاني يعكس تحوّلاً في المواقف أو توجهاً جديداً في السياسة الخارجية، وغالباً ما يكون مصحوباً بإعلانات رسمية وتصعيد إعلامي وإجراءات متبادلة.
ويضيف: “التضخيم الإعلامي لمثل هذه الوقائع يُربك الرأي العام ويخلق انطباعاً بوجود أزمة غير موجودة أساساً، في حين أن القراءة الهادئة والموضوعية تقتضي التمييز بين الخبر والتحليل، وبين الواقعة المحدودة والتطور السياسي الكبير”.
العلاقات العراقية–الأمريكية: توتر محسوب لا قطيعة
ويرى الدكتور طالب أن العلاقة بين بغداد وواشنطن تمر، كما في مراحل سابقة، بحالة “توتر محسوب” تحكمه المصالح المشتركة والخلافات المعروفة، من دون أن يصل ذلك إلى مستوى القطيعة أو المواجهة المفتوحة.
فالعراق ما يزال يشكل ساحة مهمة للسياسة الأمريكية في المنطقة، سواء من زاوية الأمن الإقليمي أو ملفات الطاقة أو التوازنات الإقليمية، في حين تحتاج بغداد إلى استمرار قنوات التواصل مع واشنطن في ملفات متعددة، من الدعم الأمني إلى التعاون الاقتصادي والمالي.
ويشير إلى أن هذا النمط من العلاقات ليس جديداً، بل تكرّر في مراحل سابقة شهدت أيضاً أزمات إعلامية أو سياسية سرعان ما جرى احتواؤها ضمن إطار المصالح المتبادلة.
ويحذّر الدكتور طالب من أن استمرار هذا النهج في التعاطي مع الأخبار الدبلوماسية قد يضر بصورة العراق الخارجية ويعطي انطباعات غير دقيقة عن استقرار سياسته الخارجية، داعياً إلى اعتماد خطاب إعلامي أكثر مهنية وهدوءاً، خاصة في القضايا الحساسة.
هل هناك مؤشرات على تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق؟

ويضيف أن السياسة الأمريكية تجاه العراق تخضع لحسابات معقّدة تتعلق بالمنطقة ككل، وبالتوازن مع قوى إقليمية أخرى، وليس من المنطقي اختزالها في إجراء إداري محدود أو حادثة بروتوكولية.
ويختم حديثه لـ “180 تحقيقات” بالتأكيد على أن العراق بحاجة اليوم إلى خطاب إعلامي وسياسي متوازن، يراعي حساسية المرحلة، ويميز بين الخلافات الطبيعية في العلاقات الدولية وبين الأزمات الحقيقية، حتى لا يتحول التضخيم الإعلامي إلى عامل ضغط إضافي على صانع القرار أو إلى مصدر قلق غير مبرر للرأي العام.







