في لحظة فارقة من تاريخ العدوان المستمر على قطاع غزة، استقبل المجتمع الدولي اليوم الخميس بترحيب حذر إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
هذا الإعلان الذي جاء مدفوعاً بضغوط دبلوماسية مكثفة، يضع قطاع غزة أمام مسار جديد يهدف في ظاهره إلى الانتقال من حالة "الهدوء الهش" إلى مرحلة الترتيبات الإدارية والأمنية الشاملة، وسط واقع إنساني يوصف بأنه "الأكثر مأساوية" في العصر الحديث.
ترحيب أممي ومطالب إنسانية ملحة
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن ترحيبه ببدء هذه المرحلة، مؤكداً أنها خطوة ضرورية ولكنها غير كافية ما لم تقترن بتغيير جذري في آليات إدخال المساعدات.
وفي تصريحات صحفية أدلى بها اليوم، شدد غوتيريش على أن قطاع غزة لم يعد بحاجة إلى الغذاء والدواء فحسب، بل بات في "حاجة ماسة" لإدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة ملايين الأطنان من الركام والأنقاض التي خلفها القصف الإسرائيلي.
ولفت غوتيريش الانتباه إلى قضية شائكة تتمثل في "المواد مزدوجة الاستخدام" أو الأدوات التي يمنع الاحتلال دخولها بذريعة أمنية، معتبراً أن غياب هذه الأدوات يعيق أي جهد حقيقي لترميم الحياة الأساسية.

كما أطلق نداء استغاثة بشأن آلاف النازحين الذين يعيشون تحت وطأة العواصف الشتوية القاسية، مطالباً بضرورة تدفق المساعدات "دون عوائق" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
المرحلة الثانية: ملامح "خطة ويتكوف"
جاء الإعلان الرسمي عن انطلاق هذه المرحلة على لسان المبعوث الأمريكي "ستيف ويتكوف" يوم أمس، كجزء من الرؤية الأمريكية الشاملة للسلام في المنطقة.
ووفقاً للتفاصيل التي كشف عنها ويتكوف، فإن المرحلة الثانية ليست مجرد استمرار لوقف القتال، بل هي عملية تحول هيكلي تشمل ثلاثة محاور رئيسية حيث تهدف الخطة إلى الانتقال لمرحلة "تفكيك كافة التشكيلات المسلحة" داخل القطاع، وضمان ألا يشكل غزة تهديداً أمنياً مستقبلياً، وهو البند الأكثر تعقيداً في مسار التفاوض.
وسيتم تشكيل إدارة انتقالية تحت مسمى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وتتألف من شخصيات مهنية (تكنوقراط) بعيدة عن الانتماءات الفصائلية المباشرة، لتتولى تسيير الأمور الحياتية والخدمية و البدء الفعلي في وضع المخططات الهندسية والتمويلية لإعادة بناء المدن المدمرة، وهو ما يتطلب استقراراً أمنياً طويلاً.
الأفق السياسي وحل الدولتين
لم يكتفِ أنطونيو غوتيريش بالجانب الإنساني، بل وضع إطاراً سياسياً واضحاً لهذه المرحلة؛ حيث أكد أن الهدف النهائي يجب أن يكون "فتح مسار لا رجعة فيه نحو حل الدولتين".
وشدد على أن أي ترتيبات أمنية أو إدارية في غزة يجب أن تستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، لضمان أن تكون هذه المرحلة جسراً نحو دولة فلسطينية مستقلة وليس مجرد إدارة أزمات مؤقتة.
ويرى مراقبون أن نجاح المرحلة الثانية يعتمد بشكل أساسي على مدى التزام الأطراف الميدانية ببنود نزع السلاح، وفي المقابل، مدى جدية الاحتلال الإسرائيلي في رفع الحصار والسماح بدخول مستلزمات الإعمار.
فالواقع الميداني لا يزال يشهد خروقات، والحالة الإنسانية المتدهورة قد تنفجر في أي لحظة إذا ما استمرت سياسة تقطير المساعدات.
إن الانتقال من "وقف إطلاق النار" إلى "بناء الدولة وإعادة الإعمار" يتطلب إرادة دولية تتجاوز البيانات الصحفية إلى إجراءات ملموسة على الأرض، تضمن كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في العيش داخل بيئة آمنة وخالية من الركام.
غزة بين الترتيبات السياسية وواقع الأنقاض
بينما تنشغل الدوائر الدبلوماسية في واشنطن ونيويورك بصياغة بنود "المرحلة الثانية" وتسمية اللجان التكنوقراطية، يبقى المواطن الفلسطيني في غزة هو المعيار الوحيد لنجاح أو فشل هذه المخططات.
إن الحديث عن "نزع السلاح" و"الإدارة الانتقالية" قد يبدو منمقاً في أروقة السياسة، لكنه في أزقة جباليا وخانيونس ورفح يصطدم بواقع مرير، حيث البرد القارس ينهش أجساد الأطفال في الخيام، والأنقاض لا تزال تواري جثامين المفقودين.
كما أن ترحيب غوتيريش الصادق بمعدات إزالة الركام يلامس جوهر المأساة؛ فغزة اليوم ليست بحاجة إلى وعود سياسية بقدر حاجتها إلى "شريان حياة" مادي ينهي عزلتها كما أن أي مسار لا يؤدي بشكل حتمي وسريع إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية سيكون مجرد دوران في حلقة مفرغة، وتكراراً لسيناريوهات سابقة أثبتت فشلها.
وعلى العالم أن يدرك أن "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" لن تنجح إلا إذا كانت جزءاً من سيادة وطنية شاملة، وأن إعادة الإعمار لن تبدأ فعلياً طالما بقيت آلة الحرب تلوح بالعودة عند كل منعطف.








