4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تحولات السلطة في اليمن.. هندسة أمنية جديدة في مواجهة التحديات السيادية

تحولات السلطة في اليمن.. هندسة أمنية جديدة في مواجهة التحديات السيادية

بقلم: محمد خميس
١٧ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
19 مشاهدة
اليمن..

اليمن..

شهدت الساحة اليمنية في الأسبوع الثالث من شهر يناير 2026 تحولات  كبيرة، هذه التطورات لم تقتصر على مجرد تغييرات إدارية، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة جذرية لهيكل السلطة الشرعية، مدعومة بتحركات عسكرية استراتيجية على الأرض في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الشرقية، مما يشير إلى توجه دولي وإقليمي لإنهاء حالة "تعدد الرؤوس" داخل معسكر الشرعية وتوحيد القرار العسكري والسياسي تحت مظلة واحدة.

إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي.. فض الشراكة المتوترة

 

اتخذ رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، قرارات وصفت بـ "الجراحية" لإعادة ضبط إيقاع السلطة، كان أبرزها إسقاط عضوية فرج سالمين البحسني، وإحالة عيدروس الزبيدي للتحقيق بتهمة "الخيانة العظمى" عقب تصعيد عسكري وسياسي شهدته المحافظات الجنوبية والشرقية (حضرموت والمهرة) في مطلع العام.

هذه التغييرات لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج فشل نموذج القيادة الجماعية في الصمود أمام طموحات الأطراف المكونة له، وبدخول شخصيات جديدة مثل محمود الصبيحي وناصر الخنبشي إلى قوام المجلس، يبدو أن هناك رغبة في استعادة التوازن التقليدي وتعزيز الالتزام بالدولة الاتحادية، مع إنهاء نفوذ القوى التي تتبنى مشاريع الانفصال داخل مؤسسات الدولة الرسمية.

"درع الوطن" في عدن.. ذراع سيادية لفرض الاستقرار

على الصعيد الميداني، يمثل انتشار قوات "درع الوطن" في عدن في يناير 2026 نقطة تحول أمنية كبرى، هذه القوات، التي تشكلت بقرار رئاسي وتتلقى دعماً مباشراً من المملكة العربية السعودية، بدأت بتسلم المواقع الحيوية في المدينة، بما في ذلك قصر معاشيق ومطار عدن الدولي والمؤسسات السيادية.

إن تعزيزات "درع الوطن" ليست مجرد إضافة عددية، بل هي رسالة سياسية مفادها أن العاصمة المؤقتة لم تعد تخضع لسيطرة فصيل واحد. ويهدف هذا الانتشار إلى تأمين عودة الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني لممارسة مهامها من الداخل بشكل دائم و تحييد التهديدات الأمنية الناتجة عن الصراعات البينية داخل المكونات المناهضة للحوثيين وتأسيس نموذج أمني موحد ينهي ظاهرة المليشيات المسلحة داخل المدن المحررة.

 تحليل استقرار السلطة والانعكاسات الأمنية

تحليل استقرار السلطة في اليمن لعام 2026 يكشف عن استراتيجية "فرض الاستقرار السيادي". فبدلاً من إدارة التوازنات الهشة بين أقطاب المجلس الرئاسي، انتقل المركز القرار إلى تمكين "الشرعية المؤسسية".

الانعكاسات الأمنية المتوقعة:

 إن دمج القوات تحت قيادة واحدة (درع الوطن والعمالقة والجيش الوطني) يقلل من فرص الصدام الداخلي، لكنه يضع السلطة في اختبار حقيقي أمام الحاضنة الشعبية لبعض المكونات التي تم إقصاؤها.

كما أن توحيد الجبهة الداخلية للشرعية يسحب البساط من تحت جماعة الحوثي التي كانت تراهن على انقسام خصومها. الاستقرار في عدن يعني تفرغ الدولة لمواجهة التهديدات في البحر الأحمر وباب المندب.

ويعكس هذا التحول رؤية إقليمية، تقودها الرياض، لضمان أمن الملاحة الدولية من خلال دولة يمنية مستقرة وقوية، قادرة على بسط سيادتها على كامل سواحلها.

ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة المجلس الرئاسي بصيغته الجديدة على إدارة الملف الاقتصادي المنهار وتوفير الخدمات، إذ إن الاستقرار الأمني يظل هشاً ما لم يسنده استقرار معيشي يلمسه المواطن اليمني.

إن المشهد اليمني اليوم يتجاوز مجرد كونه صراعاً محلياً، ليصبح اختباراً حقيقياً لمفهوم "الدولة الوطنية" في منطقة تعصف بها الفوضى. إن التحركات الأخيرة داخل مجلس القيادة الرئاسي، مقرونة بإعادة رسم الخارطة الأمنية في عدن عبر قوات "درع الوطن"، تمثل المحاولة الأكثر جدية لترميم شرعية الدولة منذ سنوات.

بيد أن هذا المسار، رغم طابعه الإصلاحي، محفوف بمخاطر "الانكفاء الجهوي" إذا لم تنجح الحكومة الجديدة في احتواء كافة المكونات تحت سقف المواطنة المتساوية. اليمن في 2026 يحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير في الأسماء؛ إنه يحتاج إلى عقد اجتماعي وأمني ينهي حقبة "الكانتونات المسلحة" ويؤسس لسيادة قانون حقيقية.

الاستقرار في عدن هو مفتاح الاستقرار في المنطقة برمتها؛ فاليمن القوي والموحد في قراره السياسي هو الضامن الوحيد لتأمين الممرات المائية الدولية ومنع تحول البلاد إلى منصة للتهديدات العابرة للحدود. 

إن الرهان اليوم ليس فقط على قوة السلاح، بل على حكمة القيادة في تحويل هذه التغييرات إلى مشروع وطني جامع يلبي تطلعات الشعب اليمني في السلام والتنمية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال