في وقتٍ يفترض فيه أن يشكّل وقف إطلاق النار في قطاع غزة مدخلاً لخفض التصعيد وتهيئة الأرضية لمسار سياسي جديد، تكشف الوقائع الميدانية وصور الأقمار الصناعية عن مسار مغاير تماماً، عنوانه توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتكريس وقائع عسكرية جديدة تتجاوز ما نصّت عليه الاتفاقات المعلنة. فبين الغارات، والتوغلات، وعمليات النسف الممنهجة، يتقدّم ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» شرقاً ووسطاً، ليعيد رسم الجغرافيا بالقوة، بالتوازي مع طرح سياسي أمريكي يتحدث عن «مرحلة ثانية» لما بعد الحرب.
غزة: غارات وتوغلات داخل مناطق السيطرة
فجر السبت، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات داخل مناطق انتشارها شرقي مدينة غزة ووسط القطاع، في مؤشر واضح على استمرار العمليات العسكرية داخل ما يُفترض أنها مناطق خاضعة لترتيبات وقف إطلاق النار. واستهدفت الغارات شرق مدينة غزة، إضافة إلى مناطق شرق مدينة دير البلح ومخيم البريج وسط القطاع، جميعها ضمن نطاق ما بات يُعرف بالخط الأصفر.
وفي السياق ذاته، توغلت آليات إسرائيلية شرق دير البلح، وسط إطلاق نار كثيف بالقرب من السياج الفاصل، ما يعكس تحركاً برياً متدرجاً يعزز الوجود العسكري ويؤمّن الغطاء الناري لتوسيع السيطرة، وليس مجرد عمليات دفاعية أو ردود فعل ظرفية.
الخط الأصفر يتمدد: صور الأقمار الصناعية تفضح الواقع
بالتوازي مع التطورات الميدانية، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، استناداً إلى صور أقمار صناعية حديثة، أن الجيش الإسرائيلي دفع الخط الأصفر إلى عمق إضافي داخل قطاع غزة، موسعاً بذلك مساحة المناطق الخاضعة لسيطرته الفعلية. هذه الصور أظهرت أن الخط، الذي يفترض أن يكون نطاقاً مؤقتاً لانتشار القوات، بات يمتد في بعض المناطق مئات الأمتار داخل أراضٍ من المفترض رسمياً أنها خارج السيطرة الإسرائيلية.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التطورات جاءت بعد مرور ثلاثة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يؤكد أن التغيير الجغرافي لم يكن طارئاً أو محدوداً، بل مساراً متواصلاً ومدروساً.
من «نطاق أمني» إلى حدود جديدة
بحسب هآرتس، يسيطر الجيش الإسرائيلي حالياً على نحو 54% من أراضي قطاع غزة، في حين يفصل الخط الأصفر بين مناطق انتشار القوات الإسرائيلية شرقاً، والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها غرباً. غير أن هذا الخط، كما تُظهر الوقائع، لا يُرسم بشكل متواصل أو ثابت على الأرض.
فقد أوضحت الصحيفة أن الجيش وضع حواجز خرسانية صفراء كبيرة للدلالة على مسار الخط، تفصل بينها أحياناً مئات الأمتار، فيما شهد فلسطينيون بأن هذه الحواجز تُنقل أحياناً غرباً إلى مناطق تُصنّف رسمياً ضمن نطاق سيطرة حماس. كما أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية وجود فجوة بين موقع هذه الحواجز على الأرض وموقع الخط الأصفر كما تبيّنه الخرائط الرسمية التي نشرها الجيش الإسرائيلي، بما فيها الخرائط الموجهة لسكان غزة باللغة العربية.
نسف وتدمير منهجي: أحياء تُمحى بعد وقف النار
لم يقتصر التمدد على إعادة انتشار القوات، بل ترافق مع موجة واسعة من التدمير المنهجي. فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية، التي نشرتها نيويورك تايمز وحللتها جهات بحثية، أن الجيش الإسرائيلي واصل عمليات نسف الأحياء والمربعات السكنية الواقعة تحت سيطرته شرقي الخط الأصفر.
ووفق هذا التحليل، دمّر الجيش أكثر من 2500 منشأة ومبنى منذ بدء وقف إطلاق النار، في خرق واضح لجوهر الاتفاق. وتركز الدمار بشكل خاص في مناطق جباليا شمال القطاع، وحي الشجاعية شرق مدينة غزة، سواء داخل المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو حتى غرب الخط الأصفر.
كما أشارت صحيفة هآرتس إلى أن الجيش الإسرائيلي واصل هدم مئات المباني الإضافية في محيط المستشفى الإندونيسي في جباليا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ما يعكس سياسة تدمير ممنهجة تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة.
مواقع متقدمة وتحويل الأرض إلى نقاط مراقبة
ضمن هذا المسار، أعاد الجيش الإسرائيلي تنظيم قواته ونشرها على طول الخط الأصفر، الذي وصفه رئيس أركان الاحتلال إيال زامير مؤخراً بأنه «حدود إسرائيل الجديدة». ونتيجة لذلك، أُنشئت مواقع متقدمة جديدة داخل المناطق الخاضعة للسيطرة.
ووفقاً لمنظمة «فورنسيك آركيتكتشر» البريطانية، أنشأ الجيش الإسرائيلي 13 موقعاً متقدماً جديداً داخل قطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار وحتى منتصف ديسمبر، من بينها موقعان كبيران في منطقة جباليا. وقد تطلب إنشاء هذه المواقع هدم مبانٍ وتطهير أراضٍ، واستخدام معدات هندسية ثقيلة لبناء تحصينات ترابية مرتفعة، تتيح مجال رؤية واسعاً لمراقبة مساحات شاسعة من شمال القطاع.
خروقات دائمة وسقوط شهداء
تُعد منطقة الخط الأصفر بؤرة توتر دائمة، تشهد حوادث إطلاق نار وسقوط شهداء بشكل متكرر، وفق بيانات رسمية من الجيش الإسرائيلي وشهادات فلسطينية. فمنذ إعلان وقف إطلاق النار، استشهد 449 فلسطينياً في مواقع متفرقة من القطاع، وأُصيب 1246 آخرون، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فيما أكدت منظمة اليونيسف أن 100 من الشهداء هم من الأطفال.
ميدانياً، أفادت مصادر طبية في مستشفى الشفاء باستشهاد طفلين وإصابة آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي خارج مناطق انتشاره في بيت لاهيا شمال القطاع، كما استشهدت طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات جراء استهدافها بقنبلة من طائرة مسيّرة قرب مدارس تؤوي نازحين. وفي خان يونس، استشهدت مواطنة وأُصيب آخرون، إضافة إلى إصابة صياد في بحر المدينة، وآخر بجروح حرجة في منطقة قيزان النجار.
وفي تقريرها الإحصائي الأخير، أعلنت وزارة الصحة في غزة وصول 14 شهيداً و18 مصاباً إلى المستشفيات خلال 24 ساعة، لترتفع حصيلة الشهداء منذ بدء وقف النار الأخير إلى 463 شهيداً و1269 مصاباً، فضلاً عن انتشال 712 جثة من تحت الركام. أما الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 فقد بلغت 71 ألفاً و455 شهيداً و171 ألفاً و347 مصاباً.
المسار السياسي الجديد: غطاء أم تناقض؟
تأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، نيابة عن الرئيس دونالد ترامب، إطلاق المرحلة الثانية من خطة أميركية من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة، والتي تتحدث عن الانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتشكيل إدارة تكنوقراطية، وإعادة الإعمار.
غير أن الربط بين الميدان والمسار السياسي يكشف تناقضاً بنيوياً: فبينما يُطرح أفق سياسي يقوم على «اليوم التالي» وإعادة البناء، تعمل إسرائيل على توسيع سيطرتها الفعلية، وتدمير ما تبقى من البنية العمرانية، وفرض حدود جديدة بالقوة. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى أي مسار سياسي لا يملك أدوات إلزام ميدانية، ولا يوقف سياسة فرض الوقائع على الأرض.
وقف نار هش تحت اختبار القوة
دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، محدداً الخط الأصفر كنطاق مؤقت لانتشار قوات الاحتلال. غير أن الوقائع اللاحقة أظهرت أن هذا الخط تحوّل من إجراء أمني مؤقت إلى أداة لإعادة هندسة السيطرة. ومع استمرار الخروقات اليومية، ومنع إدخال الكميات المتفق عليها من الغذاء والدواء، يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، في أوضاع إنسانية كارثية.
في هذا السياق، يبدو أن الميدان لا ينتظر السياسة، بل يسبقها ويفرض شروطه، فيما يُعاد تعريف «التهدئة» باعتبارها فرصة لإعادة التموضع والتوسع، لا مقدمة حقيقية لإنهاء الحرب.









