في حلقة جديدة من مسلسل التغول الاستيطاني الذي ينهش جسد الضفة الغربية، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن خطوة تصعيدية خطيرة في بلدة "الزاوية" غرب مدينة سلفيت.
هذه المرة، لم يكن السلاح جرافة تهدم بيتاً أو رصاصة تخترق جسداً فحسب، بل كان "تابوتاً" يُدفن في أرضٍ منهوبة، ليكون شاهداً على محاولة تكريس سيادة مزعومة على ترابٍ فلسطيني خالص.
"الزاوية".. جغرافيا الصمود وتغول الاستيطان
تعتبر بلدة الزاوية واحدة من القرى الفلسطينية التي تقع في منطقة استراتيجية شمال الضفة الغربية، وهو ما جعلها هدفاً دائماً لمشاريع التوسع الاستيطاني.
ووفقاً لتصريحات السيد أمير شقير، مسير أعمال رئيس بلدية الزاوية، فقد أقدم المستوطنون على الاستيلاء على مساحة تقدر بنحو 180 دونماً في الجهة الغربية من البلدة، حيث تم تجهيز "مقبرة استيطانية" وبدء الدفن الفعلي فيها لفرض واقع جديد يصعب تغييره قانونياً أو ميدانياً.
استراتيجية "المقابر": احتلال الأحياء والأموات
لا ينظر الفلسطينيون إلى هذه المقبرة كفعل ديني أو إنساني، بل كأداة استعمارية خبيثة. فالمقابر الاستيطانية في المنظور القانوني والسياسي تُستخدم كذريعة لـ خلق "قدسية" زائفة للمكان مما يجعل المطالبة بإخلائها مستقبلاً معقدة عاطفياً وسياسياً أمام المجتمع الدولي و فرض مناطق عازلة حيث تمنع سلطات الاحتلال أصحاب الأراضي الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات واسعة محيطة بالمقبرة بحجة "حرمة المكان" أو الدواعي الأمنية و الربط الجغرافي حيث تهدف هذه المقبرة إلى ربط المستوطنات القائمة ببعضها البعض، مما يقطع أوصال القرى الفلسطينية ويحولها إلى "كانتونات" معزولة.

اعتداءات يومية وتجريف للمستقبل
وأوضح شقير أن هذه المنطقة لا تكتفي بضم المقبرة، بل تتعرض لعمليات تجريف ممنهجة واقتلاع لأشجار الزيتون المعمرة، التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد العائلات في الزاوية.
كما كشف عن وجود إخطارات احتلالية تهدف للاستيلاء على قرابة 4 آلاف دونم إضافية من أراضي البلدة، مما ينذر بكارثة زراعية وديموغرافية تحيق بالمنطقة.
وتتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، التي تشمل منع المزارعين من ري محاصيلهم أو حراثة أراضيهم، تحت حماية كاملة من جيش الاحتلال، مما يحول حياة المواطنين إلى جحيم يومي في سبيل دفعهم للرحيل الطوعي.
الضفة الغربية في أرقام
تأتي هذه الجريمة في "الزاوية" ضمن سياق أوسع وثقته "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان". ففي عام 2025 وحده، نفذت قوات الاحتلال والمستوطنون ما يزيد عن 23,827 اعتداءً.
هذه الأرقام المخيفة تشمل الاستيلاء على الأراضي عبر إعلانها "أراضي دولة" أو محميات طبيعية، أو مقابر كما في حالة سلفيت والتدمير الممنهج و هدم المنشآت الزراعية، حرق المحاصيل، وتخريب آبار المياه و الإرهاب الميداني من اعتداءات جسدية مباشرة وإطلاق نار بهدف الترهيب.
الموقف القانوني والدولي
يعتبر القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، أن بناء المقابر الاستيطانية على أراضي الفلسطينيين هو انتهاك جسيم لحقوق الملكية الخاصة.
فالمادة 49 من الاتفاقية تحظر بوضوح نقل سكان القوة المحتلة إلى الأراضي التي تحتلها، ويرى حقوقيون أن "دفن الموتى" في أراضٍ مسروقة هو محاولة لسرقة التاريخ والمستقبل معاً، وتحويل الجغرافيا الفلسطينية إلى مدافن للمستوطنين على حساب حياة أصحاب الأرض الحقيقيين.










