21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حرق البيوت وخنق القرى.. عنف المستوطنين يرسم المسار السياسي للاحتلال بالضفة والقدس

يشهد المشهد الميداني في الضفة الغربية تصاعدًا لافتًا في عنف المستوطنين، يتخذ طابع الهجمات الواسعة والمنظمة ضد التجمعات الفلسطينية، في سياق يتجاوز الأفعال الفردية ليعكس مسارًا سياسيًا إسرائيليًا يمنح هذا العنف غطاءً مباشرًا أو غير مباشر

بقلم: شيماء مصطفى
١٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
حرق البيوت وخنق القرى.. عنف المستوطنين يرسم المسار السياسي للاحتلال بالضفة والقدس

حرق البيوت وخنق القرى.. عنف المستوطنين يرسم المسار السياسي للاحتلال بالضفة والقدس

يشهد المشهد الميداني في الضفة الغربية  والقدس تصاعدًا لافتًا في عنف المستوطنين، يتخذ طابع الهجمات الواسعة والمنظمة ضد التجمعات الفلسطينية، في سياق يتجاوز الأفعال الفردية ليعكس مسارًا سياسيًا إسرائيليًا يمنح هذا العنف غطاءً مباشرًا أو غير مباشر. آخر هذه الهجمات تمثّل في اعتداءات وحشية استهدفت تجمعات بدوية وزراعية ومصادر حياة أساسية، وأسفرت عن إصابات وحرق منازل وتخريب ممنهج، في مؤشر واضح على استخدام العنف الاستيطاني كأداة ضغط وفرض وقائع على الأرض.

إحراق منازل وإطلاق نار شمال القدس

في شمال القدس المحتلة، هاجمت مجموعات كبيرة من المستوطنين منازل تجمع خلة السدرة البدوي، القريب من بلدة مخماس، ضمن حملة اعتداءات اتسمت بالقسوة والتنظيم. أقدم المهاجمون على إحراق نحو ثمانية منازل فلسطينية، وأطلقوا النار أثناء اقتحام التجمع، ما أدى إلى إصابة أربعة مواطنين. هذا الهجوم لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن نمط متكرر يستهدف التجمعات البدوية الهشة، التي تُعد هدفًا مركزيًا للمخططات الاستيطانية الرامية إلى تفريغ المناطق المحيطة بالقدس من سكانها الأصليين.

photo_2026-01-18_09-45-42
photo_2026-01-18_08-53-06
photo_2026-01-18_09-45-44
 

شلال العوجا.. نموذج لسياسة التهجير التدريجي

شمال أريحا، تتواصل الاعتداءات بحق أهالي قرية شلال العوجا بوتيرة يومية ومنهجية، في تصعيد يهدف إلى ترهيب السكان والتضييق على تفاصيل حياتهم. الاعتداءات لا تقتصر على الاستفزاز أو التخريب العابر، بل تشمل ممارسات منظمة من ترهيب وتدمير ممتلكات واعتداءات مباشرة، وسط غياب أي شكل من أشكال الحماية.

ويقطن القرية نحو 650 فلسطينيًا، يواجهون واقعًا قاسيًا في ظل وجود بؤرة استيطانية رعوية تضم أكثر من ألف رأس من الأغنام، تُرعى عمدًا بين منازل الأهالي. التلال المحيطة بالقرية، التي كانت تضم النبع والمراعي وتشكل شريان الحياة ومصدر الرزق الوحيد للسكان، تحولت إلى مسرح للسيطرة القسرية والتهجير المتواصل.

غطاء سياسي واقتحامات رسمية

في دلالة على الترابط بين العنف الميداني والمسار السياسي، اقتحم عضو الكنيست الصهيوني والمستوطن المتطرف تساڤي سوكوت تجمع شلال العوجا، واعتدى على نشطاء تواجدوا للتضامن مع العائلات المهددة بالتهجير. هذا الحضور العلني لشخصية سياسية في قلب الاعتداءات يعكس مستوى الغطاء الرسمي الذي تحظى به هذه الممارسات، ويحوّل عنف المستوطنين إلى امتداد عملي لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.

وخلال الفترة الأخيرة، توسعت الاعتداءات في شلال العوجا لتشمل سرقة المواشي، ومنع الوصول إلى مصادر المياه، وقطع سبل العيش، إضافة إلى الاعتداء على الأطفال وتدمير الممتلكات، في محاولة واضحة لكسر صمود الأهالي ودفعهم نحو الرحيل القسري.

الضفة: استهداف المياه.. سلاح السيطرة الصامت

في شمال شرق رام الله، اتخذ العنف الاستيطاني بعدًا أكثر خطورة عبر استهداف مصادر المياه. مليشيات المستوطنين اعتدت على آبار عين سامية، مستهدفة الآبار أرقام (2) و(4) و(6)، ما أدى إلى توقفها الكامل عن الضخ لساعات طويلة وتهديد الإمداد المائي في المنطقة. هذا النوع من الاعتداءات يعكس فهمًا عميقًا لأهمية المياه كعنصر بقاء، واستخدامها كسلاح ضغط لإخضاع التجمعات الفلسطينية ودفعها إلى النزوح.

وفي بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله، أقدم مستوطنون على تجريف محيط منزل عائلة أبو عواد، ما أدى إلى محاصرة المنزل من الجهات الأربع. هذا الأسلوب، القائم على التضييق المكاني والعزل التدريجي، يهدف إلى تحويل حياة العائلات الفلسطينية إلى جحيم يومي، دون الحاجة إلى هجوم مباشر، في إطار سياسة خنق بطيئة ولكن فعالة.

تدمير الزراعة في جنوب الخليل

أما في بادية جنوب الخليل، فقد أقدم مستوطنون على إتلاف محاصيل زراعية للمواطنين غرب قرية النجادة/الكعابنة، عبر رعي أغنامهم في الأراضي المزروعة. هذا الاعتداء يندرج ضمن استراتيجية أوسع تستهدف القطاع الزراعي الفلسطيني، بوصفه أحد أعمدة الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وتحويل الأرض الخصبة إلى عبء على أصحابها بدل أن تكون مصدرًا للعيش.

الضفة: العنف الاستيطاني والمسار السياسي للاحتلال

مجمل هذه الاعتداءات تكشف أن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة والقدس ليس ظاهرة عشوائية، بل جزء من مسار سياسي إسرائيلي يهدف إلى توسيع الاستيطان وفرض وقائع ديموغرافية جديدة في الضفة، حكومة الاحتلال، عبر تركيبة يمينية متطرفة، توفر بيئة حاضنة لهذا العنف، سواء من خلال الصمت، أو الحماية الأمنية، أو المشاركة السياسية المباشرة.

هذا المسار يحوّل المستوطنين إلى أداة تنفيذ ميدانية، تتكامل مع القرارات السياسية والتشريعات العنصرية، لفرض مشروع الضم الزاحف وتهجير الفلسطينيين من المناطق المصنفة "ج" ومحيط القدس والأغوار.

 الاستيطان كأداة للسيطرة في الضفة والقدس

منذ سنوات، يعتمد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة على مزيج من الأدوات العسكرية والقانونية والشعبية، ويشكّل عنف المستوطنين رأس الحربة في هذا المشروع. فالهجمات على المنازل، والمياه، والزراعة، والمراعي، ليست سوى حلقات في سلسلة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين دون كلفة سياسية أو عسكرية مباشرة.

في ظل هذا الواقع، يبدو أن تصاعد الاعتداءات الأخيرة على الضفة يمثل مرحلة متقدمة من هذا النهج، حيث يتقاطع العنف الميداني مع الخطاب السياسي الرسمي، ليشكلا معًا معادلة ضغط مستمرة على الفلسطينيين، عنوانها الأساسي: التهجير بالقوة وتكريس الأمر الواقع.


 

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حرق البيوت وخنق القرى.. عنف المستوطنين يرسم المسار السياسي للاحتلال بالضفة والقدس - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°