4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

غزة.. سياسة الهدم الذاتي في الجليل: عائلة تيتي ضحية لآلة التشريد الإسرائيلية وغرامات باهظة

غزة.. سياسة الهدم الذاتي في الجليل: عائلة تيتي ضحية لآلة التشريد الإسرائيلية وغرامات باهظة

بقلم: محمد خميس
١٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
16 مشاهدة
سياسة الهدم الذاتي في الجليل

سياسة الهدم الذاتي في الجليل

غزة.. سياسة الهدم الذاتي في الجليل: عائلة تيتي ضحية لآلة التشريد الإسرائيلية وغرامات باهظة

في مشهدٍ يختزل القهر الإنساني في أبشع صوره، لم تجد عائلة عامر تيتي في قرية البعنة بمنطقة الجليل، شمال الداخل الفلسطيني المحتل، مفراً من حمل معاول الهدم لتهديم سقف آواهم لسنوات.

 لم يكن الهدم نتاج كارثة طبيعية، بل كان ثمرة سياسة "الخنق التخطيطي" التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية، والتي وضعت العائلة أمام خيارين أحلاهما علقم: إما الهدم بأيديهم، أو دفع غرامات مالية تفوق قدرتهم على الاحتمال.

تفاصيل الجريمة الصامتة في قرية البعنة

 

تفيد التقارير الواردة من الداخل المحتل أن عائلة عامر تيتي أُجبرت الليلة الماضية على تحويل منزلها إلى ركام، هذا المنزل، الذي لم يكن مجرد جدران وأعمدة، بل كان مستقراً لـ 15 فرداً، شُيّد قبل نحو 15 عاماً.

غزة.. سياسة الهدم الذاتي في الجليل: عائلة تيتي ضحية لآلة التشريد الإسرائيلية وغرامات باهظة
 

وعلى الرغم من أن قرار الهدم ظل مجمداً لسنوات طويلة، مما أعطى العائلة أملاً زائفاً بالاستقرار، إلا أن السلطات الإسرائيلية قررت فجأة تفعيل قرارات الهدم في السنوات الأخيرة. 

الإبادة المالية: سلاح الغرامات الباهظة

إن ما يدفع المواطن الفلسطيني في الداخل المحتل إلى "الهدم الذاتي" ليس رغبة في التخلي عن ملكيته، بل هو الهروب من "الإبادة المالية". 

ففي حالة عائلة تيتي، كانت الغرامة المترتبة على هدم السلطات للمنزل تصل إلى نحو نصف مليون شيقل “ما يعادل 137 ألف دولار أمريكي”.

هذه التكاليف الباهظة تشمل أجرة الجرافات الإسرائيلية، وتكاليف الحراسة الشرطية، ورسوم "إزالة الأنقاض"، وهي مبالغ تعجيزية تهدف إلى تحطيم العائلة اقتصادياً بعد تشريدها جغرافياً. 

جذور الأزمة

لا يمكن قراءة ما يحدث في "البعنة" بمعزل عن الأزمة السكنية الحادة التي تعصف بالبلدات الفلسطينية في الداخل المحتل "أراضي 48"، يوضح الخبراء أن هذه الأزمة هي نتاج سياسة ممنهجة تشمل المماطلة في المصادقة و تأخير المصادقة على الخرائط التفصيلية والهيكلية للبلدات العربية لسنوات طويلة و خنق المساحات و الامتناع عن توسيع المخططات الهيكلية لتتناسب مع الزيادة السكانية الطبيعية و تسهيلات للمستوطنات، في المقابل، يتم منح تراخيص سريعة وتوسيعات ضخمة للمستوطنات والبلدات اليهودية المجاورة على حساب الأراضي العربية.

 

هذه السياسة تضع الفلسطيني أمام طريق مسدود فإما البناء بدون ترخيص وهو الخيار الوحيد للتوسع أو العيش في خيام فوق الأنقاض.

الأبعاد النفسية والاجتماعية

يُعد الهدم الذاتي من أقسى التجارب النفسية التي قد يمر بها الإنسان؛ حيث يُجبر رب الأسرة على تدمير شقاء عمره بيده أمام أطفاله و يرى مراقبون أن الاحتلال يهدف من وراء "الهدم الذاتي" إلى ضرب الروح المعنوية للفلسطينيين، وإشعارهم بأنهم هم من يدمرون مستقبلهم بأيديهم، هرباً من تحمل التكاليف المادية الباهظة التي تفرضها "دولة القانون" المزعومة.

 

تداعيات التصعيد: الجليل على صفيح ساخن

 

إن تصاعد عمليات الهدم في الجليل والمثلث والنقب ينذر بانفجار اجتماعي وشيك فالضغط الممارس على الشباب الفلسطيني في قضايا السكن يغلق أمامهم آفاق المستقبل، ويدفع المجتمع نحو حالة من الغليان الشعبي.

 

 فالبيوت في الداخل المحتل هي خط الدفاع الأخير عن الوجود، وهدمها يعني اقتلاعاً جديداً يذكر الفلسطينيين بنكبة عام 1948، ولكن بأساليب "قانونية" معاصرة.

 

رغم الركام الذي خلفته جرافات "الهدم الذاتي" في البعنة، تبقى إرادة البقاء هي المحرك الأساسي لأهالي الداخل. إن عائلة تيتي، وغيرها من العائلات التي هُدمت منازلها، تؤكد أن الجدران قد تسقط، لكن الارتباط بالأرض لا ينتهي بقرار إداري أو غرامة مالية. 

 

إن المطلوب اليوم هو تحرك قانوني ودولي واسع لفضح سياسات التمييز العنصري في التخطيط والبناء، وضمان حق الفلسطينيين في العيش بكرامة فوق أرضهم التاريخية.

 

إن ما يجري في قرية البعنة والجليل ليس مجرد إجراءات إدارية لتطبيق قوانين البناء، بل هو جزء أصيل من معركة الوجود التي يخوضها الفلسطينيون في الداخل المحتل منذ عقود.

 

و إن إجبار المواطن على هدم منزله بيده يمثل قمة الاستبداد، حيث يتحول القانون من أداة لتنظيم حياة المجتمع إلى سيف مسلط على الرقاب لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين و إن هذه السياسة تعكس عقلية لا ترى في الفلسطيني مواطناً له حق في المأوى، بل تراه "خطراً ديموغرافياً" يجب محاصرته في غيتوهات ضيقة ومخنوقة عمرانياً.

 

لقد باتت قضية الأرض والمسكن هي التحدي الأكبر الذي يواجه فلسطينيي الـ 48، فبينما تُبنى مدن جديدة وتُوسّع أخرى للمجتمع اليهودي، تُحرم القرى العربية حتى من وضع طوبة واحدة لتزويج شاب أو إيواء عائلة نمت أعدادها.

 

 إن هذه "الأبرتهايد التخطيطي" يقتل أحلام جيل كامل ويحوله إلى ضحية لدوامة الفقر والتهجير القسري المقنع. إن الصمت الدولي على هذه الممارسات يمنح الضوء الأخضر لمواصلة هذه الجريمة، مما يستوجب وقفة وطنية ووحدة في النضال الشعبي لانتزاع الحق في الأرض والمسكن، فالهدم الذاتي ليس إلا فصلاً من فصول القهر الذي لن ينتهي إلا بانتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال