21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

المسجد الإبراهيمي في دائرة الخطر.. قرارات إبعاد ومنع صلاة تهدف لتفريغ البلدة القديمة من هويتها

المسجد الإبراهيمي في دائرة الخطر.. قرارات إبعاد ومنع صلاة تهدف لتفريغ البلدة القديمة من هويتها

بقلم: محمد خميس
١٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
المسجد الإبراهيمي

المسجد الإبراهيمي

لم تعد إجراءات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة الخليل مجرد مضايقات عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية "تطهير مكاني" تهدف إلى نزع الهوية الإسلامية عن المسجد الإبراهيمي الشريف.

 في خطوة تصعيدية جديدة، سلمت قوات الاحتلال اليوم الأحد قرارات إبعاد بحق الشخصيات المسؤولة عن إدارة المسجد، في محاولة واضحة لكسر شوكة الصمود الفلسطيني داخل أروقة الحرم وتغيير الواقع القائم بقوة السلاح.

تفاصيل الجريمة

أفاد معتز أبو سنينة، مدير المسجد الإبراهيمي، بأن قوات الاحتلال استدعته إلى مركز شرطة "تيلم" وسلمته إخطاراً يقضي بإبعاده، برفقة رئيس سدنة المسجد همام أبو مرخية، لمدة خمسة عشر يوماً. 

 

هذا القرار لا يمنعهما من أداء مهامهما الإدارية فحسب، بل يمتد ليشمل منعهما من التواجد أو الصلاة في المسجد وأروقته، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة التي تكفلها القوانين الدولية.

ويرى مراقبون أن اختيار الشخصيات القيادية في المسجد للإبعاد ليس عفوياً، بل هو جزء من سياسة "تغييب الشهود"؛ فمدير المسجد ورئيس السدنة هم خط الدفاع الأول الذين يوثقون الانتهاكات اليومية التي يمارسها المستوطنون داخل الحرم.

تفريغ البلدة القديمة

يأتي هذا القرار في سياق ممارسات الاحتلال الرامية لتفريغ المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة في مدينة الخليل من الوجود الفلسطيني، فمنذ مجزرة الحرم عام 1994، والاحتلال يطبق سياسة "التقسيم المكاني والزماني"، حيث يغلق أجزاء كبيرة من المسجد أمام المصلين، ويحول المحيط إلى ثكنة عسكرية تعج بالحواجز والبوابات الإلكترونية، مما يجعل الوصول إلى المسجد رحلة محفوفة بالمخاطر والتعقيدات.

الاستيلاء الإداري

لا يمكن فصل قرار الإبعاد الأخير عن التحرك السياسي والقانوني الذي جرى في نهاية العام الماضي فقد أصدر وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قراراً يقضي بسحب صلاحيات التخطيط والبناء في المسجد الإبراهيمي من بلدية الخليل، وتسليمها لما تسمى بـ "الإدارة المدنية" التابعة لجيش الاحتلال.

هذا القرار يمثل "الضربة القاضية" للسيادة الفلسطينية “الرمزية والفعلية” على الحرم، حيث يتيح للاحتلال القيام بأي تغييرات معمارية أو توسعية لصالح المستوطنين دون الرجوع للجهات الفلسطينية المختصة أو الأوقاف الإسلامية.

 ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل بناء مشاريع استيطانية في محيط المسجد، مثل "المصعد الكهربائي" الذي يهدف لتسهيل وصول المستوطنين، وهو ما يعتبره الفلسطينيون تغييراً لمعالم الموقع التاريخي المدرج على لائحة التراث العالمي “اليونسكو”.

الخليل كنموذج للتهجير الصامت

مدينة الخليل، وتحديداً البلدة القديمة، تعيش حالة من "التهجير الصامت" فالمضايقات لا تتوقف عند حدود المسجد، بل تطال المحال التجارية والمنازل السكنية، إن إبعاد مدير المسجد هو رسالة ترهيب لكل مواطن خليلي، مفادها أن "من يحمي المسجد لن يكون في مأمن من الملاحقة".

إن ما يحدث اليوم في الخليل هو "بروفة" لما يسعى الاحتلال لتطبيقه في المسجد الأقصى المبارك بالقدس المحتلة، حيث يتم استخدام القوانين العسكرية لفرض واقع ديني وتاريخي جديد يتنكر لكل الحقوق الفلسطينية الراسخة.

ردود الفعل والتحرك المطلوب

دعت القوى الوطنية والإسلامية في مدينة الخليل إلى شد الرحال للمسجد الإبراهيمي وتكثيف التواجد فيه رداً على قرارات الإبعاد. كما طالبت المؤسسات الحقوقية الدولية ومنظمة اليونسكو بالتدخل الفوري لحماية هذا المعلم التاريخي من العبث الإسرائيلي، مؤكدة أن الصمت الدولي هو ما يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياسة "الأسرلة" والتهويد.

إن استهداف القامات الدينية والإدارية في المسجد الإبراهيمي، متمثلة في مديره ورئيس سدنته، يمثل مرحلة جديدة وخطيرة من مراحل الصراع على الهوية في مدينة الخليل و إن الاحتلال الإسرائيلي، بقراراته الجائرة وسحبه لصلاحيات التخطيط والبناء، لا يسعى فقط إلى السيطرة على الجدران والحجارة، بل يهدف إلى اغتيال الذاكرة الجمعية للفلسطينيين وقطع صلتهم بأرثهم النبوي الشريف و إن تحويل الحرم الإبراهيمي من مكان للعبادة إلى ساحة لتنفيذ المخططات السياسية والعنصرية هو تعدٍّ سافر على قدسية المكان وقيمته الإنسانية العالمية.

 

ومع ذلك، أثبتت التجربة التاريخية في الخليل أن "سياسة الأغلال" لم تنجح يوماً في كسر عزيمة أهلها. فكلما زاد الاحتلال من تضييقه وإبعاده للحراس والمصلين، زاد التمسك الشعبي بالمسجد باعتباره عنواناً للوجود والبقاء.

 

 إن المعركة في الخليل هي معركة "نفس طويل"، والرهان اليوم هو على وعي الجيل الشاب وقدرته على حماية مقدساته رغم الحواجز والمنافي وإن المسجد الإبراهيمي سيبقى إسلامياً خالصاً، وإن غاب عنه مديره وسدنته جسداً بفعل قرارات الإبعاد، فإن أرواحهم وصلواتهم ستظل تتردد في محرابه، لتؤكد أن الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تلغيها قرارات عسكرية ولدت في غرف الظلام.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال