21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

دافوس يكشف ارتباك العالم: صراع القوى الكبرى وملامح نظام دولي يتفكك

انطلقت أعمال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في ظلّ تصاعد غير مسبوق في الأزمات الدولية، وتحوّلات عميقة تطال بنية النظام العالمي، وسط مشاركة واسعة لقادة دول، ومسؤولين حكوميين

بقلم: سماح عثمان
١٩ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
11 مشاهدة
دافوس

دافوس

انطلقت أعمال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في ظلّ تصاعد غير مسبوق في الأزمات الدولية، وتحوّلات عميقة تطال بنية النظام العالمي، وسط مشاركة واسعة لقادة دول، ومسؤولين حكوميين، وممثلي كبرى المؤسسات المالية والاقتصادية. ويأتي انعقاد المنتدى هذا العام في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية مع الضغوط الاقتصادية، ما يجعله منصة مركزية لبحث مستقبل توازنات القوة، وحدود الهيمنة الغربية، ومسارات الانتقال نحو نظام دولي أكثر اضطرابًا وأقل يقينًا.

يأتي انعقاد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في لحظة مفصلية من عمر النظام الدولي، تتكثّف فيها مؤشرات التحوّل من مرحلة الأحادية القطبية التي قادتها أمريكا منذ نهاية الحرب الباردة، إلى واقع دولي مضطرب تتزاحم فيه مراكز القوة، وتتراجع فيه قدرة الغرب على فرض قواعده السياسية والاقتصادية كما في السابق. فدافوس لم يعد مجرد منصة اقتصادية لمناقشة النمو والأسواق، بل تحوّل إلى مرآة تعكس اختلالات النظام العالمي وصراعاته العميقة.

دافوس وتآكل الهيمنة الغربية

تُظهر نقاشات دافوس اتساع الفجوة بين الخطاب الغربي حول “النظام الدولي القائم على القواعد” وبين الوقائع الميدانية، خصوصًا في ظل الحروب الممتدة منذ سنوات، من أوكرانيا إلى غزة، حيث باتت ازدواجية المعايير عنصرًا ضاغطًا على صورة الغرب الأخلاقية والسياسية. فالدعم الغربي المفتوح للحروب، مقابل تجاهل الكلفة الإنسانية، أسهم في تقويض ما تبقى من شرعية القيادة الغربية للنظام العالمي، وفتح المجال أمام قوى صاعدة لتقديم نفسها كبدائل سياسية واقتصادية.

صعود التعددية القطبية

في المقابل، يبرز بوضوح حضور قوى دولية تسعى لإعادة تشكيل موازين النفوذ، وعلى رأسها الصين وروسيا، إلى جانب تكتلات اقتصادية وسياسية مثل “بريكس”، التي باتت تمثل تحديًا مباشرًا لهيمنة الدولار والمؤسسات المالية التقليدية. هذا الصعود لا يعني ولادة نظام مستقر جديد، بل يعكس انتقالًا فوضويًا تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، ما يزيد من هشاشة النظام الدولي بدل ترسيخه.

الاقتصاد كساحة صراع

لم يعد الاقتصاد في دافوس ملفًا تقنيًا بحتًا، بل أداة صراع استراتيجي. العقوبات، سلاسل الإمداد، الطاقة، والتكنولوجيا باتت أسلحة ناعمة تُستخدم لإخضاع الخصوم أو تحجيم نفوذهم. وتكشف النقاشات الجارية أن العالم يتجه نحو تكتلات اقتصادية مغلقة، ما يهدد العولمة بصيغتها التقليدية، ويدفع نحو عالم مجزأ تتحكم فيه المصالح لا القواعد.

الجنوب العالمي بين الفرصة والضغط

يحضر ما يُعرف بـ“الجنوب العالمي” في دافوس بوصفه ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى، لا شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار. ورغم الخطابات حول التنمية والعدالة الاقتصادية، ما تزال الدول النامية تدفع ثمن الأزمات العالمية دون أن تمتلك أدوات التأثير في مساراتها، وهو ما يعمّق شعورًا متزايدًا بعدم الثقة في النظام الدولي القائم.

نظام دولي بلا مركز

تعكس مداولات المنتدى واقعًا جديدًا يتمثل في غياب مركز واضح للقيادة العالمية. فلا أمريكا قادرة على فرض رؤيتها منفردة، ولا القوى الصاعدة تمتلك بعد القدرة على بناء نظام بديل متماسك. ونتيجة لذلك، يعيش العالم مرحلة “اللايقين الاستراتيجي”، حيث تتقدّم الأزمات على الحلول، وتُدار الصراعات بالاحتواء المؤقت بدل المعالجة الجذرية.

في المحصلة، يكشف منتدى دافوس هذا العام عن نظام دولي مأزوم، تتآكل قواعده القديمة دون أن تتبلور ملامح جديدة مستقرة، ما ينذر بمرحلة طويلة من إعادة التشكّل، يكون فيها الصراع على النفوذ والموارد والشرعية هو العنوان الأبرز للسنوات المقبلة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

دافوس يكشف ارتباك العالم: صراع القوى الكبرى وملامح نظام دولي يتفكك - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°