هل تنجح الدبلوماسية في كسر منطق الميدان في غزة وسوريا؟
تشهد المنطقة العربية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يتصدر الواجهة الدولية، حيث تتسارع اللقاءات والاتصالات العربية والغربية في محاولة للتوصل إلى صيغ مستدامة لوقف إطلاق النار في كل من قطاع غزة وسوريا، ومع ذلك، يبرز التساؤل حول جدوى هذه التحركات أمام واقع ميداني يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
غزة
في الملف الفلسطيني، تتركز الجهود الدولية بقيادة الوسطاء العرب وبمشاركة فاعلة من واشنطن على محاولة كسر حلقة العنف المفرغ والمسار الدبلوماسي هنا يعتمد على "سياسة المراحل"، بدءاً من الهدن الإنسانية وصولاً إلى وقف إطلاق نار دائم.
إلا أن الواقع الميداني يفرض إيقاعاً مغايراً؛ فالعمليات العسكرية المستمرة وتوسيع رقعة الاستهداف تجعل من "الثقة" مفقودة بين الأطراف ، بينما تتحدث الدبلوماسية عن "إعادة الإعمار" و"اليوم التالي"، يتحدث الميدان عن تدمير ممنهج للبنى التحتية، مما يخلق هوة سحيقة بين ما يتم الاتفاق عليه في الغرف المغلقة وما يحدث في أزقة غزة.
إن الفجوة تكمن في غياب "الضمانات التنفيذية"؛ فالمقترحات الدبلوماسية غالباً ما تصطدم بتعنت أيديولوجي ومطالب أمنية ميدانية يرفض أي طرف التنازل عنها.
سوريا
أما في الملف السوري، فقد عاد الزخم الدبلوماسي من بوابة "تصفير المشاكل" الإقليمية واللقاءات العربية-الدولية التي تهدف إلى إيجاد مخرج للأزمة الممتدة، تركز الدبلوماسية السورية حالياً على مسار "خطوة مقابل خطوة" والقرار الأممي 2254.

ميدانياً
يبدو المشهد أكثر تشظياً فرغم حالة "الهدوء الحذر" في بعض الجبهات، إلا أن التحركات العسكرية والضربات المتبادلة في الشمال والبادية حيث تشير إلى أن الميدان لا يزال "قابلاً للاشتعال" في أي لحظة، والفرق الجوهري هنا هو أن الدبلوماسية تحاول تثبيت "خارطة سياسية" موحدة، بينما الواقع يكرس "خرائط نفوذ" متعددة، حيث تتحكم القوى الدولية والإقليمية المتواجدة على الأرض ببوصلة التصعيد والتهدئة بعيداً عن أمنيات الدبلوماسيين.
مقارنة المسارات
عند المقارنة بين المسارين، نجد أن الدبلوماسية الدولية تعاني من "مرض التوصيف"؛ فهي تصف الأزمات بدقة لكنها تفتقر لأدوات الإلزام، في غزة، المسار الدبلوماسي "قسري" تحت وطأة الكارثة الإنسانية، بينما في سوريا، المسار "تراكمي" يهدف لإدارة الأزمة لا حلها.
الواقع الميداني في كلا الحالتين يثبت أن القوة الصلبة لا تزال تتفوق على القوة الناعمة، فالاتفاقات التي لا تستند إلى توازنات قوى ميدانية واضحة تظل حبراً على ورق. إن اللقاءات العربية والدولية الأخيرة، رغم أهميتها في الحفاظ على قنوات الاتصال، إلا أنها لا تزال تدور في فلك "تسكين الألم" دون معالجة "جذور الصراع".
إن الدبلوماسية الدولية، في جوهرها، هي فن الممكن، ولكن في منطقة الشرق الأوسط، يبدو أن "الممكن" محاصر بين مطرقة الطموحات الجيوسياسية وسندان الواقع المأساوي على الأرض، وإن نجاح أي حراك دبلوماسي في سوريا أو غزة لا يتوقف فقط على عدد اللقاءات أو بلاغة البيانات الختامية، بل يرتبط بمدى قدرة هذه القوى على تحويل "النوايا السياسية" إلى "آليات مراقبة وتنفيذ" حقيقية.
ويقول مراقبون إن التحدي الأكبر ليس في "وقف النار" كفعل تقني، بل في بناء "سلام مستدام" يعالج المظالم التاريخية والاحتياجات الأمنية لكافة الأطراف ، وإن المنطقة بحاجة إلى دبلوماسية "شجاعة" تتجاوز إدارة الأزمات إلى حلها جذرياً، وهو ما يتطلب إرادة دولية تتجاوز المصالح الضيقة نحو استقرار إقليمي شامل.
تشهد المنطقة العربية في الأشهر الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا متسارعًا تقوده أطراف عربية ودولية، في محاولة لاحتواء أزمتين مركزيتين في الإقليم: الحرب على قطاع غزة والأزمة السورية الممتدة.
وتتكثف اللقاءات والاتصالات السياسية بحثًا عن صيغ لوقف إطلاق النار وتخفيف التوتر وفتح مسارات تسوية تدريجية، إلا أن هذه الجهود تصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد.
ففي غزة، يتحرك المسار الدبلوماسي تحت ضغط الكارثة الإنسانية، لكنه يصطدم باستمرار العمليات العسكرية وغياب الثقة والضمانات التنفيذية. أما في سوريا، فيسعى الحراك السياسي إلى إدارة الأزمة عبر مقاربات تدريجية ومسارات تفاوضية طويلة الأمد، في وقت لا تزال فيه خرائط النفوذ العسكرية تفرض إيقاعها على الأرض، ويجمع مراقبون على أن الفجوة بين السياسة والميدان تبقى العائق الأكبر أمام تحويل المبادرات الدبلوماسية إلى حلول مستدامة.
ويثبت الواقع الميداني في كلا الحالتين أن "القوة الصلبة" لا تزال تتفوق على "القوة الناعمة" في حسم التوازنات، فالاتفاقات السياسية التي لا تستند إلى توازنات قوى ميدانية واضحة أو ضمانات دولية صارمة تظل "حبراً على ورق" و إن اللقاءات العربية والدولية الأخيرة، رغم أهميتها القصوى في الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، إلا أنها لا تزال تدور في فلك "تسكين الألم" دون الجرأة على معالجة "جذور الصراع" التي تغذي هذه الحروب.









