21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سوريا.. هل ينجح مسار توحيد الدولة أم تصطدم الخطة بتعقيدات الميدان والإقليم؟

سوريا.. هل ينجح مسار توحيد الدولة أم تصطدم الخطة بتعقيدات الميدان والإقليم؟

بقلم: محمد خميس
٢١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
21 مشاهدة
سوريا

سوريا

سوريا.. هل ينجح مسار توحيد الدولة أم تصطدم الخطة بتعقيدات الميدان والإقليم؟

دخلت سوريا مع مطلع عام 2026 مرحلة سياسية وعسكرية جديدة، عقب الإعلان عن تفاهمات شاملة لوقف إطلاق النار وبدء مسار دمج عسكري وإداري بين القوى المسيطرة على الأرض والمؤسسات التابعة للدولة السورية الجديدة. 

هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها الأكثر جرأة منذ سقوط النظام السابق، لا تمثل مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل محاولة لإعادة هندسة الدولة السورية وإنهاء سنوات من الانقسام الجغرافي والمؤسساتي.

من وقف إطلاق النار إلى مشروع دولة

لأكثر من عقد، عاشت سوريا واقع “تعدد السلطات”: إدارات محلية متوازية، قوى عسكرية متعددة الولاءات، وحدود نفوذ غير مستقرة.

 التفاهمات الجديدة تحاول كسر هذه المعادلة عبر مدخل مزدوج منها تثبيت وقف إطلاق نار شامل يقلل من احتمالات العودة إلى المواجهات الواسعو إطلاق عملية دمج تدريجية للمؤسسات العسكرية والإدارية تحت مظلة الدولة المركزية.

ومن حيث المبدأ، لا يتعلق الأمر فقط بتجميع وحدات مسلحة داخل جيش واحد، بل بإعادة بناء مفهوم الدولة نفسها، واحتكارها لاستخدام القوة، وتوحيد مرجعيات القرار السياسي والأمني.

ماذا يعني “الدمج العسكري والإداري” عملياً؟

الدمج العسكري يعني إعادة هيكلة القوات المسلحة على أساس وطني، واستيعاب التشكيلات القائمة وفق معايير مهنية، مع تفكيك الولاءات الفصائلية والعقائدية. أما الدمج الإداري، فيتعلق بتوحيد مؤسسات الحكم المحلي والمالي والقضائي، وإنهاء حالة الازدواجية في القوانين والضرائب والإدارة المدنية.

هذا المسار، إذا نجح، يمكن أن يضع حداً لفوضى السلطات المتعددة، ويفتح الباب أمام مرحلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وعودة تدريجية للحياة الطبيعية في مناطق واسعة من البلاد.

فرص النجاح.. لماذا هذه اللحظة مختلفة؟

هناك عدة عوامل تجعل من هذه المرحلة فرصة حقيقية وليست مجرد هدنة عابرة فالمجتمع السوري، بكل مكوناته، بلغ درجة عالية من الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعل كلفة العودة إلى الصراع أعلى من كلفة التسوية  و المنطقة تتجه نحو منطق “تصفير الأزمات” أو على الأقل إدارتها، بدل الاستثمار في صراعات طويلة الأمد والقوى الكبرى لم تعد ترى في سوريا ساحة أولوية للمواجهة، بل ملفاً يجب تثبيته ومنع انفجاره مجدداً ولا يمكن لأي مشروع اقتصادي جدي أن ينطلق دون وجود سلطة مركزية موحدة وسلاح منضبط هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة سياسية مواتية نظرياً لإنجاح مسار الدمج.

التعقيدات الميدانية: العقدة الأصعب

رغم ذلك، فإن الطريق ليس معبداً. فالميدان السوري ما زال مليئاً بتعقيدات بنيوية، أبرزها تشابك المصالح الاقتصادية للفصائل المسلحة التي بنت شبكات تمويل ونفوذ خلال سنوات الحرب وانعدام الثقة المتراكم بين المكونات المختلفة، خصوصاً في الشمال والشمال الشرقيو تباين العقائد القتالية والتنظيمية بين القوى التي يُفترض دمجها في مؤسسة واحدة وتفكيك هذه العقد لا يحتاج فقط إلى قرارات سياسية، بل إلى وقت طويل، وضمانات، وحوافز اقتصادية وأمنية حقيقية.

البعد الإقليمي.. كل طرف له حساباته

لا يمكن قراءة مسار الدمج بمعزل عن الإقليم، فتركيا تراقب التطورات من زاوية أمنها القومي وحدودها الجنوبية، وتخشى من أي صيغة تعيد إنتاج تهديدات قديمة بصيغة جديدة. في المقابل، ترى بعض الدول العربية في توحيد سوريا شرطاً ضرورياً لاستعادة التوازن الإقليمي ومنع تمدد الفوضى.

هذا يعني أن نجاح الدمج لا يعتمد فقط على السوريين، بل أيضاً على قدرة القوى الإقليمية على التوافق – أو على الأقل عدم التعطيل.

الشمال السوري: إعادة رسم المعادلة

يُعد الشمال السوري الساحة الأكثر حساسية في هذه الترتيبات. فهو منطقة تداخل نفوذ محلي وإقليمي ودولي، وفيه تتقاطع مصالح دمشق وأنقرة وواشنطن وقوى محلية متعددة.

التفاهمات الجديدة، إذا طُبقت فعلياً، ستؤدي إلى إعادة دمج الشمال في المنظومة الإدارية للدولة السورية وإنهاء حالة “الاستثناء السياسي والأمني” التي سادت هناك لسنوات وتقليص دور القوى المحلية المسلحة لصالح مؤسسات رسمية موحدة لكن هذا التحول لن يكون فورياً، وقد يمر بمراحل انتقالية معقدة لتجنب الانفجار.

ماذا عن الوجود الأمريكي شرق الفرات؟

واحد من أهم الأسئلة التي تطرحها التطورات الحالية يتعلق بمستقبل الوجود العسكري الأمريكي. فواشنطن بررت وجودها خلال السنوات الماضية بمحاربة تنظيم “داعش” ودعم الاستقرار في مناطق معينة. اليوم، ومع انتقال مهمة ضبط الأمن تدريجياً إلى الدولة السورية الموحدة، تتراجع الذريعة الأساسية لهذا الوجود والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو انسحاب تدريجي مشروط، مرتبط بمدى نجاح عملية الدمج، وبالضمانات المتعلقة بعدم عودة التنظيمات المتطرفة، وبأمن الحدود، خصوصاً مع تركيا والعراق.

هذا الانسحاب، إن تم، سيغيّر ميزان القوى في الشمال السوري، ويعزز موقع الدولة المركزية، لكنه في الوقت نفسه يحمّلها مسؤولية أمنية ثقيلة في مرحلة انتقالية حساسة.

المخاطر المحتملة: ماذا لو فشل المسار؟

فشل مسار الدمج لا يعني العودة ببساطة إلى الوضع السابق، بل قد يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيداً تفجر صراعات داخلية بين قوى كان يُفترض دمجها وتدخلات إقليمية أوسع لمنع انهيار التوازنوتراجع فرص إعادة الإعمار، واستمرار حالة اللااستقرار الاقتصادي والاجتماعي لذلك، فإن كلفة الفشل هذه المرة أعلى بكثير من أي مرحلة سابقة.

يدرك صناع القرار أن الدمج العسكري والإداري لن ينجح بدون أفق اقتصادي. تحسين الخدمات، إعادة تشغيل البنى التحتية، خلق فرص عمل، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، كلها عناصر أساسية لتحويل التسوية السياسية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن والاستقرار الأمني بدون تحسن معيشي سريع قد يتحول إلى استقرار هش قابل للانفجار.

فرصة تاريخية أم اختبار صعب؟

التفاهمات ووقف إطلاق النار ومسار الدمج تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة. لكنها في الوقت نفسه اختبار قاسٍ لقدرة السوريين وشركائهم الإقليميين والدوليين على تحويل النوايا السياسية إلى وقائع ميدانية.

ونجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام نهاية فعلية لمرحلة الصراع، وبداية مرحلة الدولة. أما الفشل، فسيعني دخول سوريا في دورة جديدة من عدم اليقين، ربما تكون أكثر تعقيداً من كل ما سبق.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال