قدم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، صباح اليوم الاثنين، استقالته رسمياً إلى الملك تشارلز الثالث، في خطوة أنهت مهامه كرئيس للحكومة بعد عامين قضاها في المنصب، وسط ضغوط سياسية واقتصادية متصاعدة.
وأفاد قصر باكنغهام، في بيان رسمي، بأن الملك تشارلز الثالث استقبل ستارمر صباحاً قبل استقالته من منصبيه كرئيس للوزراء واللورد الأول للخزانة، في مشهد أعاد إلى الأذهان تقلبات المشهد السياسي البريطاني الذي شهد سبعة رؤساء وزراء خلال عقد واحد فقط. وأدى ستارمر، الذي قاد حزب العمال إلى فوز ساحق في انتخابات 2024، استقالته بعد سلسلة من الانتقادات اللاذعة التي طالت أداءه الاقتصادي، وتراجع شعبية حزبه في استطلاعات الرأي، واتهامات تتعلق بتعيين شخصيات مثيرة للجدل في مناصب حساسة.
وجاءت استقالة ستارمر بعد أن تصاعدت الدعوات لرحيله إثر هزيمة حزب العمال في الانتخابات المحلية التي جرت في مايو الماضي، والتي كشفت عن تذمر شعبي واسع من سياساته الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات العامة. وتصاعدت الضغوط بشكل حاد بعد فوز رئيس بلدية مانشستر آندي برنهام بعضوية البرلمان في الانتخابات الفرعية التي أجريت في 18 يونيو الماضي، حيث اعتبر العديد من المحللين أن هذا الفوز مثل نقلة نوعية في الصراع الداخلي داخل حزب العمال.
وبعد أربعة أيام فقط من دخول برنهام إلى مجلس العموم، أعلن ستارمر استقالته من رئاسة حزب العمال، مشيراً إلى أن الحزب يحتاج إلى قيادة جديدة لخوض الانتخابات العامة المقبلة، مع استمراره في مهامه الحكومية إلى حين انتخاب خلف له.
تصريحات ستارمر الأخيرة
قبل توجهه إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته، وقف ستارمر أمام الصحفيين في شارع داونينغ وسط تصفيق من أعضاء حكومته ومؤيديه، وأعلن رسمياً مغادرته منصب رئاسة الوزراء بعبارة مختصرة قال فيها: "مهمتي اكتملت".
وأشاد ستارمر بفترة توليه الحكومة، معرباً عن قناعته بأن بريطانيا أصبحت "أقوى وأكثر عدلاً مما كانت عليه قبل عامين"، رغم الانتقادات التي طالت أداءه الاقتصادي.
وأعرب عن دعمه الكامل لخليفته آندي برنهام، متمنياً له النجاح في مهمته الجديدة، وختم تصريحاته بعبارة وداعية قال فيها: "أغادر منصبي بضمير مرتاح، وأودعكم بابتسامة على وجهي، وأنا فخور جداً بكل ما حققناه معاً".
برنهام يتولى المهمة
في مشهد يعكس سرعة التحول السياسي البريطاني، أعلن قصر باكنغهام في وقت لاحق من اليوم نفسه أن الملك تشارلز الثالث كلف آندي برنهام بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن قبل استقالة ستارمر رسمياً.
وجاء في بيان القصر أن "النائب أندرو بيرنهام قبل عرض الملك، وقبّل يديه عند تعيينه رئيساً للوزراء"، في إشارة إلى البروتوكول الملكي المعتاد في مثل هذه المناسبات.
ويصبح برنهام، البالغ من العمر 56 عاماً، رئيس الوزراء السابع لبريطانيا خلال عقد، وهو رقم يعكس حالة عدم الاستقرار السياسي التي تعيشها البلاد منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016. وقد اكتسب برنهام لقب "ملك الشمال" خلال سنوات توليه منصب رئيس بلدية مانشستر الكبرى، حيث نجح في تعزيز مكانته كأحد أبرز السياسيين العماليين القادرين على التواصل مع الطبقات العاملة والمناطق المهمشة.
تحديات كبرى تنتظر برنهام
يواجه رئيس الوزراء الجديد آندي برنهام، منذ لحظة تسلمه المهمة، قائمة طويلة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تركتها حكومات متعاقبة عجزت عن معالجتها، وفي مقدمتها أزمة تكاليف المعيشة التي تثقل كاهل المواطنين وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وتعهد برنهام، في خطابه الأول بعد تكليفه رسمياً، بتقديم خطة عشرية طموحة لإعادة ضبط مسار البلاد، مشدداً على ضرورة استعادة الاستقرار السياسي الذي فقدته بريطانيا خلال سنوات من التخبط والانقسامات داخل حزب العمال نفسه.
وقال برنهام أمام الصحفيين: "على بريطانيا أن تظهر للعالم أننا قادرون على استعادة استقرارنا مجدداً"، متعهداً بأن يكون توجيهه الأول هو "إنهاء ظاهرة النوم في العراء"، في إشارة إلى أزمة التشرد التي تفاقمت في المدن البريطانية الكبرى.
تغيير جذري في السياسة
وصف برنهام، قبل أيام من توليه المنصب، فوزه بزعامة حزب العمال بأنه "أهم لحظة تغيير في سياستنا منذ 40 عاماً"، متعهداً بإحداث تحول جذري في النظام السياسي لرفع مستويات المعيشة بسرعة، ومساعدة بلد متعطش للتغيير على أن يصبح مكاناً "تكون فيه الحياة أكثر يسراً".
إلا أن التحدي الأول الذي سيواجهه برنهام يتمثل في تشكيل حكومته، خاصة اختيار وزير المالية، وهو الملف الذي أدت الخلافات حوله إلى سقوط إدارات سابقة وأضعف ثقة الأسواق في السياسات الاقتصادية البريطانية.
وأعلنت لوسي باول، نائبة زعيم حزب العمال وحليفة برنهام، أن رئيس الوزراء الجديد يسعى إلى "إعادة تركيز موارد الحكومة وإعادة ترتيب أولوياتها، وتوجيه اهتمام الحكومة نحو معالجة تكاليف المعيشة، وإعادة ضبط مسار عمل البلاد والاقتصاد".
رئيس جديد في زمن الأزمات
أغلق ستارمر ملف حكومته بابتسامة وداع وبضمير مرتاح، لكنه ترك خلفه اقتصاداً مترهلاً وخدمات عامة متدهورة وحزباً منقسماً على نفسه، بينما تسلم برنهام المهمة في لحظة فارقة تحتاج إلى قرارات جريئة بعيدة عن حسابات المصالح الضيقة.
فهل سينجح "ملك الشمال" في إنقاذ سفينة بريطانيا التي تتخبط في أمواج الأزمات، أم أن تاريخ رؤساء الوزراء المتعاقبين سيعيد نفسه مع رئيس سابع خلال عقد واحد؟ يبقى المشهد السياسي البريطاني مفتوحاً على كل الاحتمالات، والانتظار هو سيد الموقف.








