الخليل تحت الحصار.. تصاعد العدوان على جبل جوهر وسياسة "العقاب الجماعي" تخنق المنطقة الجنوبية
استأنفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء اليوم الأربعاء، عدوانها العسكري الغاشم وإجراءاتها القمعية الممنهجة بحق المواطنين الفلسطينيين في منطقة جبل جوهر والأحياء الجنوبية من مدينة الخليل، الواقعة جنوب الضفة الغربية المحتلة، في تصعيد ميداني خطير يعكس إصرار الاحتلال على تحويل حياة الآلاف من السكان إلى سجن مفتوح.
حيث أعادت قوات الاحتلال إغلاق المنطقة بالكامل، وفرضت حصاراً عسكرياً مشدداً تخلله إعلان حظر تجوال شامل على المواطنين، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من "تخفيف وهمي" للقيود سمحت خلاله للسكان بالخروج مشياً على الأقدام لتأمين احتياجاتهم التموينية والطبية الضرورية.
هذا التلاعب بالإجراءات الميدانية يأتي ضمن سياسة "العقاب الجماعي" التي تتبعها سلطات الاحتلال لترهيب المواطنين وكسر إرادتهم، وسط صمت دولي مطبق تجاه الجرائم المرتكبة يومياً في أزقة مدينة الخليل القديمة وأحيائها المحاصرة.
التنكيل بالمواطنين واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين
لم تكتفِ قوات الاحتلال بفرض الحصار، بل عمد جنودها إلى ممارسة أبشع أنواع التنكيل والاعتداء الجسدي بحق المواطنين الذين حاولوا استغلال ساعات رفع الحظر القصيرة لتوفير لقمة العيش لعائلاتهم.
كما أن جنود الاحتلال اعتدوا بالضرب المبرح بأعقاب البنادق والركل على المارة، مما أسفر عن إصابة خمسة مواطنين على الأقل بكسور ورضوض وجروح متفاوتة في أنحاء متفرقة من أجسامهم، حيث جرى نقلهم بصعوبة بالغة إلى المستشفيات لتلقي العلاج وسط عرقلة متعمدة لسيارات الإسعاف.
وتكشف هذه الاعتداءات عن وجه الاحتلال الوحشي الذي يستهدف المدنيين العزل دون أي مبرر قانوني أو أمني، سوى الرغبة في تعميق المعاناة الإنسانية وفرض واقع من الخوف والاضطراب النفسي لدى العائلات الفلسطينية التي تجد نفسها محاصرة بين فكي كماشة الاحتلال والمستوطنين المتطرفين.
ثلاثة أيام من التخريب والمداهمات الليلية الواسعة
يدخل هذا العدوان يومه الثالث على التوالي، حيث شملت العمليات العسكرية مداهمات ليلية ونهارية واسعة النطاق لعشرات المنازل في جبل جوهر والمنطقة الجنوبية، تخللها تدمير متعمد ومنظم لمحتويات المنازل من أثاث وأجهزة كهربائية، وخلع للأبواب وتحطيم للنوافذ، في خطوة تهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الخسائر المادية بالمدنيين.
وأفادت تقارير حقوقية بأن الحملة ترافقت مع اعتقال عدد كبير من الشبان والتنكيل بهم أمام ذويهم قبل اقتيادهم إلى جهات مجهولة، فضلاً عن تحويل العديد من أسطح المنازل إلى نقاط مراقبة عسكرية.
كما طالت عمليات التفتيش العبثية المنشآت الاقتصادية والمحال التجارية، حيث قام الجنود بالعبث بالبضائع وتحطيم رفوف العرض، مما يهدد بتدمير القطاع التجاري الضعيف أصلاً في تلك المنطقة بفعل الإغلاقات المتكررة والبوابات الحديدية التي تقطع أوصال المدينة.
عزل الأحياء وتحويل حطام المركبات إلى سواتر عسكرية
وفي تطور ميداني يعيد للأذهان فترات الانتفاضات الكبرى، عزّزت قوات الاحتلال وجودها العسكري في المنطقة الجنوبية عبر الدفع بتعزيزات من المشاة والآليات المصفحة، وعمدت إلى عزل الأحياء عن بعضها البعض بشكل كامل، مما حال دون وصول المواطنين إلى مراكز الخدمات الأساسية.
وقامت جرافات الاحتلال بتدمير عشرات المركبات الفلسطينية المركونة في الشوارع عمداً، وحوّلت حطامها إلى سواتر ترابية وحديدية لإغلاق الطرق الفرعية والمداخل المؤدية إلى جبل جوهر، في حين نُصبت بوابات حديدية جديدة ومكعبات إسمنتية على مداخل أحياء رئيسية.
هذه الإجراءات تهدف إلى تثبيت واقع جغرافي جديد يسهل عملية السيطرة العسكرية المطلقة، ويقيد حركة المواطنين إلى الحد الأدنى، ويمنع التواصل الاجتماعي والجغرافي بين سكان الخليل، مما يفاقم من تعقيدات الحياة اليومية في واحدة من أكثر المدن الفلسطينية معاناة من ويلات الاستيطان والاحتلال.
الخليل في عين العاصفة.. صمود شعبي ومخاوف من انفجار الأوضاع
يأتي هذا التصعيد في الخليل ضمن سياق أوسع من الهجمات التي تشنها قوات الاحتلال والمستوطنون في مختلف محافظات الضفة الغربية، إلا أن الخصوصية الجيوسياسية لمدينة الخليل تجعل من هذا الحصار نذير خطر بوقوع انفجار شعبي وشيك.
فالمنطقة الجنوبية وجبل جوهر يمثلان عمقاً سكانياً كبيراً، والاستمرار في خنق هذه المناطق عسكرياً واقتصادياً يؤدي إلى حالة من الغليان الشعبي.
ويرى مراقبون أن الاحتلال يحاول استغلال الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لتمرير مخططات "الضم الصامت" وتفريغ الأحياء القريبة من البؤر الاستيطانية من سكانها الأصليين.
ورغم كل هذه الإجراءات القمعية، لا يزال المواطن الخليلي يضرب أروع الأمثلة في الصمود والثبات على الأرض، مؤكداً رفضه لكل سياسات الترحيل القسري والتركيع التي يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ضرورة التدخل الدولي لحماية المدنيين في الخليل
إن ما يحدث في جبل جوهر والمنطقة الجنوبية من الخليل هو جريمة حرب متكاملة الأركان، تستوجب تدخلاً فورياً من المنظمات الدولية والحقوقية للضغط على سلطات الاحتلال لرفع الحصار ووقف التنكيل بالمدنيين.
إن تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية وفرض حظر التجوال والاعتداء على الجرحى ومنع الإسعافات، كلها انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة.
ومع دخول العدوان ليله الرابع، تزداد المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية والطبية داخل المنازل المحاصرة، مما يستدعي تحركاً عاجلاً لتأمين وصول الاحتياجات الأساسية وحماية أرواح المواطنين من بطش جنود الاحتلال الذين يتصرفون بحصانة مطلقة بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة دولية.










