4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

دفاعات خفية داخل الأنف.. كيف يحدد الجسم مصير نزلات البرد؟

توصلت دراسة حديثة إلى الكشف عن آليات دقيقة يعمل بها الجسم للدفاع عن نفسه ضد فيروس الأنف، المسبب الرئيسي لنزلات البرد، في مقاربة علمية تعيد النظر في الفهم التقليدي لطبيعة الإصابة وحدّتها.

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٢ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
11 مشاهدة
دفاعات خفية داخل الأنف.. كيف يحدد الجسم مصير نزلات البرد؟

دفاعات خفية داخل الأنف.. كيف يحدد الجسم مصير نزلات البرد؟

توصلت دراسة حديثة إلى الكشف عن آليات دقيقة يعمل بها الجسم للدفاع عن نفسه ضد فيروس الأنف، المسبب الرئيسي لنزلات البرد، في مقاربة علمية تعيد النظر في الفهم التقليدي لطبيعة الإصابة وحدّتها.

وأفادت الدراسة، التي نشرتها دورية Cell Press Blue، بأن شدة الإصابة أو حتى حدوثها من الأساس لا تعتمد بالضرورة على قوة الفيروس ذاته، بقدر ما ترتبط بسرعة وكفاءة استجابة الخلايا الموجودة في بطانة الأنف، والتي تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة العدوى.

وتفتح هذه النتائج نافذة جديدة على ما يحدث داخل الممرات الأنفية على المستويين الخلوي والجزيئي عند التعرض للفيروس، كما تعيد صياغة التصورات السائدة حول أسباب إصابة بعض الأشخاص بنزلات برد حادة مقابل نجاة آخرين من أعراض تذكر.

فيروس واسع الانتشار وتأثير يتجاوز بساطة الأعراض

يُعد فيروس الأنف المسؤول الأول عن نزلات البرد حول العالم، كما يشكل عاملاً رئيسياً في تفاقم مشكلات التنفس لدى المصابين بالربو وأمراض الرئة المزمنة.

وعلى الرغم من أن أعراضه غالباً ما توصف بالخفيفة أو المؤقتة، فإن تأثيره الصحي والاقتصادي واسع النطاق، نظراً للعدد الهائل من الإصابات التي يسجلها سنوياً. ومع هذا الانتشار، ظل سؤال محوري مطروحاً: لماذا يصاب بعض الأشخاص بنزلة برد شديدة، بينما يتعرض آخرون للفيروس نفسه دون أن تظهر عليهم أعراض تُذكر؟

بطانة الأنف: خط الدفاع الأول

قدمت الدراسة، التي قادتها الباحثة إيلين فوكسمن، الأستاذ المشارك في الطب المخبري وعلم الأحياء المناعي بكلية الطب في جامعة ييل الأميركية، إجابة محتملة عن هذا السؤال. فقد أظهرت النتائج أن العامل الحاسم في تحديد شدة الإصابة هو استجابة الخلايا المبطنة للأنف، وليس خصائص الفيروس وحدها.

وأوضحت فوكسمن أن الدراسة أتاحت للباحثين مراقبة ما يجري داخل بطانة الأنف البشرية أثناء العدوى بفيروس الأنف بدقة غير مسبوقة، ما ساعد على فهم أعمق لكيفية تنسيق الخلايا لدفاعها الجماعي في مواجهة الفيروس.

نموذج معملي يحاكي الواقع البشري

وللوصول إلى هذه النتائج، طوّر الباحثون نموذجاً معملياً متقدماً يعتمد على أنسجة أنفية بشرية جرى إنماؤها داخل المختبر. وبدأ الفريق بزراعة خلايا جذعية مأخوذة من الأنف البشري، ثم تركوها تنمو لمدة أربعة أسابيع في ظروف تحاكي البيئة الطبيعية للممرات الأنفية، بحيث يكون السطح العلوي للخلايا معرضاً للهواء.

ومع مرور الوقت، تمايزت هذه الخلايا إلى نسيج يحتوي على أنواع متعددة من الخلايا الموجودة فعلياً في الأنف والمجاري الهوائية، بما في ذلك الخلايا المنتجة للمخاط، والخلايا المزودة بأهداب دقيقة تشبه الشعيرات، تعمل على تحريك المخاط وطرد الجسيمات الضارة.

وأكد الباحثون أن هذا النموذج أكثر دقة في تمثيل الاستجابة البشرية الحقيقية مقارنة بخطوط الخلايا التقليدية المستخدمة في أبحاث الفيروسات، وتكمن أهميته في أن فيروس الأنف يصيب البشر تحديداً ولا يُحدث المرض نفسه في الحيوانات، ما يجعل النماذج الحيوانية أقل فائدة لدراسة هذه العدوى. ومن خلال هذا النموذج، تمكن الفريق من دراسة الاستجابة المتزامنة لآلاف الخلايا في آن واحد، ومراقبة كيفية تفاعلها عند دخول الفيروس.

ما هو فيروس الأنف؟

يُعد فيروس الأنف:

أكثر الفيروسات شيوعاً في التسبب بنزلات البرد لدى البشر.

ينتمي إلى عائلة الفيروسات المعوية، ويصيب بشكل أساسي الممرات الأنفية والجهاز التنفسي العلوي.

يضم أكثر من 160 نوعاً مختلفاً، ما يجعل تكوين مناعة دائمة ضده أمراً بالغ الصعوبة.

ينتقل بسهولة عبر الرذاذ المتطاير عند السعال أو العطس، أو عبر لمس الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم أو العينين.

يفضّل التكاثر في درجات حرارة أقل من حرارة الجسم، وهو ما يفسر نشاطه في الأنف أكثر من الرئتين.

يسبب أعراضاً تشمل سيلان الأنف واحتقانه والعطس والتهاب الحلق والصداع الخفيف.

غالباً ما تكون العدوى به بسيطة ومحدودة، لكنها قد تؤدي إلى مضاعفات لدى الأطفال وكبار السن والمصابين بالربو أو بأمراض رئوية مزمنة.

لا تتوافر حتى الآن لقاحات فعالة ضده بسبب تعدد أنواعه وسرعة تحوره.

نظام إنذار مبكر داخل الخلايا

أظهرت التجارب أن الخلايا المبطنة للأنف تمتلك نظام إنذار مبكر عالي الحساسية، يعتمد على بروتينات تُعرف باسم الإنترفيرونات. فعند اكتشاف وجود فيروس الأنف، تبدأ هذه الخلايا في إفراز الإنترفيرونات، التي تطلق بدورها استجابة مضادة للفيروسات داخل الخلايا المصابة والخلايا المجاورة.

وتحوّل هذه الاستجابة البيئة المحيطة إلى وسط غير ملائم لتكاثر الفيروس وانتشاره، ما يحد من العدوى في مراحلها الأولى.

وأوضحت الدراسة أن سرعة هذه الاستجابة تلعب دوراً حاسماً؛ فإذا تحركت الإنترفيرونات بسرعة كافية، يفشل الفيروس في الانتشار على نطاق واسع، وقد لا تظهر أعراض تُذكر. أما إذا كانت الاستجابة بطيئة أو ضعيفة، فيتمكن الفيروس من إصابة عدد أكبر من الخلايا، ما يؤدي إلى تلف الأنسجة وظهور أعراض نزلة البرد بشكل أوضح.

ماذا يحدث عند تعطيل الدفاعات؟

لاختبار أهمية هذا الدفاع الخلوي، عطل الباحثون مستقبلات الاستشعار التي تعتمد عليها الخلايا لاكتشاف فيروس الأنف. وكانت النتيجة أن الفيروس انتشر بسرعة داخل النسيج المزروع، وأصاب عدداً أكبر بكثير من الخلايا، ما أدى في بعض الحالات إلى تلف النسيج أو موت الخلايا المصابة.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة، باو وانج، الباحث في كلية الطب بجامعة ييل الأميركية، إن هذه النتائج تبرز الدور المحوري للاستجابة السريعة للإنترفيرون في السيطرة على العدوى، حتى في غياب خلايا الجهاز المناعي الأخرى.

حين يتحول الدفاع إلى عبء

إلى جانب هذا المسار الدفاعي، كشفت الدراسة عن استجابات أخرى تنشط عندما يزداد تكاثر الفيروس. ففي هذه الحالات، يمكن لفيروس الأنف تفعيل نظام استشعار مختلف يؤدي إلى إنتاج كميات كبيرة من المخاط وزيادة الالتهاب في الأنسجة.

وتشير النتائج إلى أن هذه العوامل قد تسهم في انسداد المجاري الهوائية وصعوبات التنفس، خصوصاً لدى المصابين بأمراض تنفسية مزمنة. وأوضح الباحثون أن هذه الاستجابات، رغم كونها جزءاً من منظومة الدفاع، قد تصبح ضارة إذا خرجت عن السيطرة.

استجابة الجسم وآفاق العلاج

ويرى الباحثون أن فهم هذه المسارات الدفاعية المختلفة قد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة، لا تركز فقط على مهاجمة الفيروس، بل على توجيه استجابة الجسم نفسها نحو مسار أكثر توازناً. فتعزيز الاستجابة المبكرة للإنترفيرونات، أو الحد من الاستجابات الالتهابية المفرطة، قد يسهم في تقليل شدة الأعراض أو منع تطورها من الأساس.

وفي الوقت ذاته، لفت الباحثون إلى أن النموذج المعملي المستخدم، رغم تقدمه، لا يعكس كل التعقيد الموجود داخل جسم الإنسان. ففي الواقع، تستدعي العدوى الفيروسية مشاركة أنواع متعددة من الخلايا المناعية التي تنتقل إلى موقع الإصابة، إضافة إلى تأثيرات عوامل بيئية مثل التلوث ودرجة الرطوبة والميكروبات الأخرى الموجودة في الأنف. وأكدوا أن الخطوة التالية في هذا المسار البحثي تتمثل في دراسة كيفية تفاعل هذه العوامل مجتمعة لتشكيل الاستجابة النهائية للعدوى.

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن نزلات البرد، رغم شيوعها، ما زالت تحمل الكثير من الجوانب غير المفهومة علمياً. وتسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية المناعة الموضعية في الأنف باعتبارها خط الدفاع الأول، وتدعم توجهاً بحثياً متزايداً يركز على تعزيز آليات الدفاع الطبيعية للجسم بدلاً من الاكتفاء بمحاولة القضاء على الفيروسات بعد انتشارها.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال