كشف موقع ميدل إيست آي أن طائرة شحن كانت مرتبطة سابقاً بتزويد مقاتلين مدعومين من الإمارات بالسلاح في السودان وليبيا، نفذت خلال الأيام الماضية عدداً من الرحلات بين قواعد عسكرية في أبوظبي وإسرائيل والبحرين وإثيوبيا.
ورغم أن الغرض من هذه الرحلات وأي رابط مباشر بينها لا يزال غير واضح، فإنها تأتي في ظل صراع نفوذ متصاعد بين الإمارات والسعودية عبر اليمن والقرن الأفريقي، وهو صراع قلب التوازنات الجيوسياسية في المنطقة وأثار مخاوف من تصعيد جديد في الحرب السودانية.
تراجع إماراتي في اليمن والصومال
وجدت الإمارات نفسها في موقف دفاعي بعد أن أطلقت السعودية عملاً عسكرياً لإزاحة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً من مدينة عدن، الميناء اليمني الاستراتيجي. كما اضطرت أبوظبي إلى الانسحاب من قاعدتها العسكرية الرئيسية في بوصاصو على الساحل الصومالي المقابل.
في الوقت نفسه، أدى اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال – حيث تحتفظ الإمارات بقاعدة عسكرية أخرى وتسيطر على ميناء بربرة – إلى زعزعة إضافية للنظام الإقليمي. وأثار ذلك تكهنات بأن إثيوبيا، الحليف الوثيق لأبوظبي، قد تكون على وشك اتخاذ خطوة مماثلة مقابل الحصول على منفذ بحري عبر بربرة.
السودان في قلب الصراع الإقليمي
أصبحت الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 وأدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، جزءاً أساسياً من هذا الصراع. إذ صعّدت السعودية، إلى جانب مصر وتركيا، دعمها العسكري للجيش السوداني في محاولة لمواجهة الرعاية الإماراتية الطويلة لقوات الدعم السريع.
إثيوبيا: محور استراتيجي جديد للإمارات
أدى الغموض الذي يلف مستقبل القاعدتين الإماراتيتين في بربرة وبوصاصو، بعد أن ألغت الحكومة الصومالية جميع اتفاقياتها مع أبوظبي، إلى إعادة نشر عناصر إماراتية في إثيوبيا. وبحسب مصادر متعددة، من بينها مستشار سابق للحكومة الإثيوبية، باتت أديس أبابا محورية في الاستراتيجية الإماراتية بالمنطقة.
وقال المستشار، الذي عمل لأكثر من عقد مع الحكومة الإثيوبية، إن رئيس الوزراء آبي أحمد علي “يبدو أنه يرى مستقبل إثيوبيا في الاصطفاف الكامل مع تحالف الإمارات، وليس مع خيارات أخرى”.
وأضاف أن بعض المسؤولين في الخارجية الإثيوبية يعتقدون أن الإمارات كانت تتحكم فعلياً في توجهات إثيوبيا تجاه الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع وإريتريا خلال العامين الماضيين، مشيراً إلى أن آبي أحمد “كاد أن يغزو ميناء عصب الإريتري العام الماضي بطلب من أبوظبي”.
دور الإمارات والسعودية
قال جليل حرشاوي، المحلل المختص بشؤون شمال أفريقيا والاقتصاد السياسي، إن الإمارات منذ اندلاع الحرب في السودان “تحركت بسرعة وجرأة والتزام مالي يفوق أي طرف خارجي آخر”.
لكنه أشار إلى أن “انتصار السعودية على الإمارات في اليمن أواخر العام الماضي عزز مصداقية الرياض الإقليمية”، وأن السعوديين باتوا الآن “ينفقون بسخاء لتغيير مسار الحرب في السودان”.
صفقة تسليح سودانية بدعم سعودي
أفاد مسؤولون باكستانيون لوكالة رويترز بأن مفاوضات متقدمة تجري حول حزمة دفاعية بقيمة 1.5 مليار دولار لصالح الجيش السوداني، تشمل مقاتلات JF-17 Block III وطائرات K-8 الهجومية وأكثر من 200 طائرة مسيّرة.
ويرى حرشاوي أن إثيوبيا “لن تستجيب لمحاولات التقارب السعودية، وستبقى إلى جانب الإمارات”، مشيراً إلى أن أبوظبي باتت تركّز عملياتها العسكرية على الأراضي الإثيوبية بعد تعطيل ساحات تمركز أخرى.
طائرات الشحن الإماراتية ومسار الرحلات
أظهرت بيانات تتبع الرحلات التي حللها ميدل إيست آي نمطاً متكرراً لرحلات بين أبوظبي ومطار هرر ميدا، القاعدة الرئيسية لسلاح الجو الإثيوبي، باستخدام طائرة أنتونوف An-124 تشغلها شركة ماكسيموس إير وتحمل الرقم UR-ZYD.
وتُعرف طائرة أنتونوف An-124 بأنها أكبر طائرة نقل عسكرية في العالم، وتؤكد شركة ماكسيموس إير أنها قادرة على نقل “21 سيارة تويوتا لاند كروزر أو أربع مروحيات MI-17 بسهولة”.
بين 3 و17 يناير، نفذت الطائرة عدة رحلات متكررة بين أبوظبي وهرر ميدا، بعضها انطلق من قاعدة الظفرة العسكرية، قبل أن تواصل لاحقاً رحلات إلى فرنسا وكازاخستان والصين وتايلاند.

رحلات سابقة إلى إسرائيل والبحرين
قبل أيام من أول رحلة إلى إثيوبيا، نفذت الطائرة ثلاث رحلات ذهاباً وإياباً بين قواعد عسكرية في البحرين وإسرائيل. ففي 28 و29 ديسمبر، حلّقت من قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين ويُعتقد أنها هبطت في قاعدة عوفدا الجوية الإسرائيلية في صحراء النقب، قبل أن تعود إلى أبوظبي في 31 ديسمبر.
قال ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، إن تكرار هذه الرحلات “يجب أن يكون محل قلق عالمي”، مضيفاً أنه إذا ثبت أن الإمارات تزود قوات الدعم السريع عبر هذه الرحلات، “فمن واجب إثيوبيا إغلاق مجالها الجوي فوراً”.
طائرات مقاتلة وقنوات تهريب
أكد مصدر استخباراتي سوداني أن قوات الدعم السريع اشترت ما لا يقل عن ست طائرات مقاتلة من طراز سوخوي-24 وميغ-25، يتم تفكيكها ونقلها عبر طائرات شحن من الإمارات إلى إثيوبيا أو قاعدة الكفرة في شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر.
تُعد شركة ماكسيموس إير جزءاً من مجموعة طيران أبوظبي المملوكة بغالبية أسهمها لصندوق ADQ، الذي يرأسه مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد. وقد سبق أن اتهم خبراء أمميون في 2021 الشركة بانتهاك حظر السلاح على ليبيا عبر جسر جوي سري لدعم قوات حفتر.
ورغم نفي الإمارات تلك الاتهامات، فإن تقارير لاحقة ربطت القاعدة الجوية في الكفرة بإمدادات مستمرة لقوات الدعم السريع.
ضغوط سعودية ومناورة ليبية
يتعرض صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، لضغوط سعودية لوقف دعم الإمارات لقوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، أعلنت السلطات إغلاقاً مؤقتاً لقاعدة الكفرة بذريعة صيانة المدرج، في خطوة يُعتقد أنها مناورة سياسية لكسب الوقت بين الرياض وأبوظبي.
رغم أن تقارير طيران أبوظبي السنوية أشادت بـ“الدور الإنساني” لشركة ماكسيموس إير، ودعمها عمليات الإغاثة ونقل المساعدات، فإن تتبع الرحلات وربطها بصراعات مسلحة يثير تساؤلات جدية حول التناقض بين الخطاب الإنساني والواقع العسكري.
وتعكس تحركات طائرة الشحن UR-ZYD تشابك الصراعات في القرن الأفريقي والسودان وليبيا مع تنافس خليجي محتدم، حيث باتت التحالفات الإقليمية والقدرة على التحكم بخطوط الإمداد العسكرية عاملاً حاسماً في إعادة رسم خرائط النفوذ.










