20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تعليم غزة في خطر: 600 ألف طالب فلسطيني بلا مقاعد دراسية للسنة الثانية على التوالي

تعليم غزة في خطر: 600 ألف طالب فلسطيني بلا مقاعد دراسية للسنة الثانية على التوالي

بقلم: محمد خميس
٢٤ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
7 مشاهدة
تعليم غزة في خطر

تعليم غزة في خطر

تعليم غزة في خطر: 600 ألف طالب فلسطيني بلا مقاعد دراسية للسنة الثانية على التوالي

أطلق المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فيليب لازاريني، اليوم السبت، صرخة استغاثة دولية جديدة تسلط الضوء على واحدة من أخطر تداعيات حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، والمتمثلة في التدمير الممنهج للمنظومة التعليمية وضياع مستقبل أجيال كاملة.

 وأكد لازاريني في تصريحات رسمية أن أكثر من 600 ألف طفل فلسطيني في قطاع غزة باتوا محرومين بشكل كامل من حقهم الأساسي في التعليم النظامي لفترة تجاوزت العامين، مشيراً إلى أن هؤلاء الأطفال يعيشون اليوم وسط الركام والدمار، ويعانون من صدمات نفسية عميقة تتطلب تدخلات عاجلة تتجاوز مجرد الإغاثة الغذائية إلى إعادة بناء الشخصية والهوية عبر بيئات تعليمية آمنة. 

إن هذا الرقم المرعب لا يعكس مجرد تعطل للدراسة، بل يشير إلى جريمة "تجهيل" مقصودة تمارسها قوة الاحتلال عبر استهداف المدارس والجامعات، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حول صمته تجاه محو مستقبل جيل كامل من لاجئي فلسطين.

التعليم تحت القصف

أوضح فيليب لازاريني في منشوره عبر منصة "إكس" أن قطاع التعليم التابع لوكالة "الأونروا" تعرض لهجمات متزايدة وممنهجة على مدار السنوات القليلة الماضية، بلغت ذروتها خلال العدوان الحالي الذي بدأ في أكتوبر 2023.

 إن حرمان 600 ألف طفل من التعليم النظامي يعني بقاءهم في الشوارع ومراكز النزوح المكتظة، حيث تفتقر هذه الأماكن لأدنى مقومات الأمان أو الاستقرار النفسي، مما يعمق من أثر الصدمات الناتجة عن القصف وفقدان الأهل.

 وأشار المفوض العام إلى أن إعادة هؤلاء الأطفال إلى مقاعد الدراسة تمثل الأولوية القصوى والوحيدة القادرة على منحهم بصيصاً من الأمل وسط هذا الظلام، مؤكداً أن الاستهداف الإسرائيلي للمنشآت التعليمية ليس مجرد أضرار جانبية للحرب، بل هو جزء من سياسة أوسع تهدف إلى تفريغ المجتمع الفلسطيني من كوادره العلمية وتحويل أطفاله إلى جيل مثقل بالآلام والفقر المعرفي، وهو ما يتنافى مع كافة المواثيق الدولية واتفاقيات حقوق الطفل.

تعليم غزة في خطر: 600 ألف طالب فلسطيني بلا مقاعد دراسية للسنة الثانية على التوالي

 

مبادرات "الأونروا" البديلة

رغم الدمار الشامل الذي طال معظم مدارس الوكالة، كشف لازاريني عن جهود مضنية تبذلها "الأونروا" لتقديم بدائل تعليمية طارئة تمنع الانقطاع الكلي عن المعرفة.

وأوضح أن هناك حالياً نحو 65 ألف طفل يتلقون تعليمهم في مساحات تعلم مؤقتة (خيم وفصول بديلة) أنشأتها الوكالة في مراكز النزوح، إضافة إلى ما يقرب من 300 ألف طفل آخرين يحاولون متابعة دروس أساسية في القراءة والكتابة والحساب عبر المنصات الرقمية ووسائل التعليم عن بُعد رغم الانقطاع المتكرر للكهرباء والإنترنت. 

هذه الأرقام، وإن كانت تعكس إرادة الصمود الفلسطيني، إلا أنها تظل قاصرة أمام حجم الاحتياج الفعلي، حيث لا يزال مئات الآلاف غير قادرين على الوصول حتى لهذه البدائل البسيطة. 

وشدد لازاريني على أن التعليم الرقمي أو المؤقت لا يمكن أن يكون بديلاً عن التعليم النظامي داخل الفصول الدراسية التي هدمها الاحتلال، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى فجوات تعليمية واجتماعية لا يمكن ردمها لسنوات طويلة قادمة.

حصيلة حرب الإبادة

تأتي تحذيرات "الأونروا" في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي وأوروبي، ارتكاب أبشع صور الإبادة الجماعية التي عرفها التاريخ المعاصر ضد سكان قطاع غزة. وتجاوزت حصيلة العدوان منذ السابع من أكتوبر 2023 أكثر من 243 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم، فيما لا يزال ما يزيد على 11 ألف مفقود تحت الأنقاض التي تحولت إلى مقابر جماعية. 

إن الدمار الذي أصاب غزة لم يتوقف عند الحجر، بل شمل سياسة تجويع ممنهجة أودت بحياة الكثير من الأطفال والرضع، فضلاً عن التهجير القسري المتكرر لمئات آلاف النازحين. هذا الدمار الشامل أدى عملياً إلى محو مدن ومناطق كاملة من الخريطة، وتحويل المؤسسات التعليمية والصحية إلى أهداف عسكرية، مما يجعل من حديث لازاريني عن "بيئة تعليمية آمنة" مطلباً مستحيلاً ما لم يتوقف العدوان فوراً وتُرفع كافة أشكال الحصار عن القطاع المنكوب.

المسؤولية الدولية.. صمت العالم أمام اغتيال الطفولة في غزة

انتقد مراقبون وحقوقيون تجاهل المجتمع الدولي للنداءات المتكررة ولأوامر محكمة العدل الدولية التي طالبت بوقف أعمال الإبادة وتأمين وصول المساعدات. إن استمرار حرمان 600 ألف طفل من التعليم هو وصمة عار في جبين الإنسانية، حيث يتم التضحية بحقوق هؤلاء الأطفال على مذبح الحسابات السياسية والدعم العسكري المفتوح للاحتلال.

 إن "الأونروا"، باعتبارها الشاهد الأخير على مأساة اللاجئين، تجد نفسها اليوم وحيدة في مواجهة هذه الكارثة، في ظل محاولات إسرائيلية حثيثة لتقويض عملها وحظر نشاطها. إن حماية حق أطفال غزة في التعليم ليست مجرد قضية تربوية، بل هي قضية أمن واستقرار إقليمي ودولي، فترك مئات الآلاف من الأطفال دون تعليم وسط الركام هو وصفة أكيدة لتفجير الأوضاع مستقبلاً، مما يفرض على الأمم المتحدة والقوى الكبرى التحرك فوراً لفرض وقف إطلاق النار وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.

لا مستقبل لغزة دون استعادة حق أطفالها في التعليم

يظل تحذير فيليب لازاريني اليوم بمثابة جرس إنذار أخير قبل فوات الأوان. إن ضياع عامين من عمر 600 ألف طفل فلسطيني بعيداً عن المدارس يمثل تهديداً وجودياً لمستقبل المجتمع الفلسطيني وقدرته على النهوض من جديد.

 إن التعليم هو السلاح الوحيد الذي يمتلكه لاجئو فلسطين لمواجهة الاحتلال والفقر والتشرد، واستهدافه هو استهداف لروح الشعب الفلسطيني و إن المطلوب اليوم ليس فقط بيانات التضامن، بل خطوات عملية لإلزام الاحتلال بوقف استهداف المنشآت التعليمية، وتوفير التمويل اللازم لـ "الأونروا" لإعادة بناء مدارسها، وضمان عودة كل طفل في غزة إلى مقعده الدراسي بكرامة وأمان و إن صمود أطفال غزة في مساحات التعلم المؤقتة هو معجزة بحد ذاتها، لكنها معجزة تحتاج إلى سند دولي حقيقي يوقف حرب الإبادة ويمنح هؤلاء الصغار حقهم في أن يكونوا أطفالاً، يتعلمون ويحلمون بعيداً عن أزيز الطائرات ورائحة الموت.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال