4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

لبنان تحت نار الخروقات الإسرائيلية: اختبار الردع واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة

تشهد لبنان، ولا سيما المناطق الجنوبية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة، تصاعدًا لافتًا في الخروقات الإسرائيلية، وسط مشهد ميداني شديد الهشاش

بقلم: سماح عثمان
٢٥ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
15 مشاهدة
لبنان تحت نار الخروقات الإسرائيلية

لبنان تحت نار الخروقات الإسرائيلية

تشهد لبنان، ولا سيما المناطق الجنوبية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة، تصاعدًا لافتًا في الخروقات الإسرائيلية، وسط مشهد ميداني شديد الهشاشة، يتقاطع فيه التصعيد العسكري مع الحسابات السياسية الإقليمية، في لحظة تُعد من الأكثر حساسية منذ سنوات. هذه الخروقات لا تأتي في فراغ، بل تتزامن مع اشتعال الجبهات في غزة، وتوتر الإقليم بأكمله، ما يجعل الجنوب اللبناني ساحة اختبار حقيقية لما يُعرف بـ “حدود الردع” بين الاحتلال الإسرائيلي ومحور المقاومة

لبنان و الخروقات الميدانية

خلال الأيام الأخيرة، تكررت الاعتداءات الإسرائيلية الجوية والمدفعية على بلدات جنوبية لبنانية، شملت قصف أطراف القرى، واستهداف مناطق مفتوحة، إضافة إلى تحليق مكثف للطيران الحربي والاستطلاعي في عمق الأجواء اللبنانية.

وبحسب مصادر ميدانية لبنانية، فإن الخروقات تنوّعت بين:

قصف مدفعي محدود النطاق.

غارات تحذيرية قرب مناطق مأهولة.

تحليق منخفض للطائرات الحربية فوق بيروت والبقاع.

استخدام الطائرات المسيّرة في عمليات رصد واستطلاع مكثفة.

هذه الأنماط تشير إلى أن الاحتلال يعتمد سياسة الضغط التدريجي، لا الحرب الشاملة، في محاولة لفرض معادلة ردع جديدة دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد لا تكون نتائجها مضمونة.

ثانيًا: أهداف إسرائيل من التصعيد

القراءة السياسية والعسكرية للخروقات تكشف أن تل أبيب تتحرك وفق ثلاثة أهداف رئيسية:

1. ترميم الردع المتآكل

بعد الحرب على غزة، وتعدد الجبهات، باتت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشعر بأن صورة الردع التقليدية اهتزّت. لذلك تسعى إلى توجيه رسائل نارية على الجبهة اللبنانية لإثبات قدرتها على المبادرة، دون دفع ثمن حرب شاملة.

2. الضغط على الداخل اللبناني

يعرف الاحتلال أن لبنان يعيش أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، وهو ما يجعله بيئة هشة لأي تصعيد. وتراهن إسرائيل على أن الضغط العسكري المحدود قد يُحدث انقسامًا داخليًا أو ضغطًا شعبيًا يُقيّد أي رد قوي.

3. توسيع هامش المناورة قبل أي تسوية إقليمية

في ظل الحراك السياسي الدولي المتعلق بغزة ولبنان والمنطقة، تحاول إسرائيل تحسين شروطها التفاوضية عبر الميدان، انطلاقًا من قاعدتها الدائمة: “ما لا يُنتزع بالقوة، يُنتزع تحت النار”.

ثالثًا: حدود الردع… قواعد غير مكتوبة

حتى اللحظة، ما تزال المواجهة محكومة بما يمكن وصفه بـ قواعد اشتباك مرنة لكنها قائمة. هذه القواعد تقوم على:

ردّ مقابل الرد، دون استهداف العمق المدني.

تجنب الضربات التي تؤدي إلى عدد كبير من الضحايا.

إبقاء العمليات ضمن الشريط الحدودي.

غير أن خطورة المرحلة تكمن في أن هذه القواعد غير مكتوبة وقابلة للانكسار في أي لحظة، خصوصًا إذا وقع حدث ميداني كبير، كاستشهاد عدد كبير من المدنيين، أو تنفيذ عملية نوعية تتجاوز السقف المتعارف عليه.

وهنا يصبح الردع المتبادل أشبه بالسير فوق حافة هاوية؛ خطوة واحدة خاطئة قد تفتح باب المواجهة الواسعة.

رابعًا: احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع

رغم أن الطرفين لا يبدوان راغبين في حرب شاملة، فإن السيناريوهات التالية تبقى قائمة:

السيناريو الأول: استمرار الاشتباك المحدود

وهو الأرجح حاليًا، حيث يستمر القصف المتبادل بضوابط دقيقة، وتُستخدم الساحة اللبنانية كورقة ضغط سياسية مرتبطة بمسار غزة والمفاوضات الإقليمية.

السيناريو الثاني: انفجار موضعي واسع

قد يحدث نتيجة ضربة إسرائيلية خاطئة أو رد ميداني قوي، يؤدي إلى توسع رقعة الاشتباك لعدة أيام أو أسابيع، دون التحول إلى حرب شاملة، لكنه يُلحق أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية والقرى الحدودية.

السيناريو الثالث: حرب إقليمية مفتوحة

وهو الأقل احتمالًا لكنه الأخطر، ويرتبط بتطورات خارج الساحة اللبنانية، مثل مواجهة أمريكية–إيرانية، أو انهيار شامل لمسار التهدئة في غزة، ما قد يدفع الجبهة الشمالية إلى الاشتعال الكامل.

خامسًا: لبنان بين هشاشة الداخل وثقل الجغرافيا

المعضلة الأساسية للبنان أن موقعه الجغرافي يجعله دائمًا خط تماس إقليمي، في وقت يفتقر فيه إلى الحد الأدنى من التماسك السياسي الداخلي. فالدولة المنهكة اقتصاديًا، والمؤسسات المثقلة بالأزمات، تجد نفسها أمام معادلة قاسية: لا قدرة على الحرب، ولا قدرة على منعها إذا فُرضت.

وفي المقابل، يبقى الجنوب اللبناني جزءًا من معادلة ردع إقليمية أوسع، لا تُدار من الداخل اللبناني وحده، بل ترتبط بتوازنات تمتد من غزة إلى طهران، ومن واشنطن إلى تل أبيب.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

لبنان تحت نار الخروقات الإسرائيلية: اختبار الردع واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°