محمود بصل يطلق "نداء الاستغاثة الأخير": غزة تواجه كارثة بيئية وإنسانية تحت الأنقاض
في تصريح يحمل نبرة اليأس الممزوجة بالإصرار، أطلق المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، نداءً عاجلاً ومؤثراً إلى المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان وكافة الضمائر الحية حول العالم، معلناً أن الوضع في القطاع المكلوم قد وصل إلى "مرحلة حرجة وغير مسبوقة" تتجاوز كل الخطوط الحمراء الإنسانية.
وجاء هذا النداء في أعقاب انتهاء قضية الجثث الإسرائيلية التي اتخذها الاحتلال ذريعة مطولة لمنع إدخال الاحتياجات الإنسانية والمعدات الحيوية، مما وضع غزة في مواجهة مباشرة مع انعدام أدنى مقومات العيش.
إن صرخة الدفاع المدني اليوم ليست مجرد بلاغ صحفي، بل هي "وثيقة اتهام" للمنظومة الدولية التي تراقب بصمت آلاف الجثامين وهي تتحلل تحت الأنقاض، عاجزة عن توفير "مجرد جرافة" لتمكين العائلات من إكرام موتاها بالدفن.
الأنقاض التي لا ترحم.. آلاف المفقودين في طي النسيان
أكد محمود بصل في خطابه أن هناك آلاف الجثث التي لا تزال عالقة تحت ركام المباني المدمرة في مختلف محافظات القطاع، ومن بين هؤلاء أعداد هائلة من الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الاحتياجات خاصة.
هذه الأرواح التي فارقت الحياة تحت وطأة القصف، لم تُمنح حتى الآن حق الدفن اللائق نظراً للغياب التام للمعدات الثقيلة والآليات المتخصصة التي تمنع إسرائيل دخولها منذ بداية الحرب.
إن استمرار بقاء هذه الجثامين تحت الأنقاض لأشهر طويلة لا يمثل فقط انتهاكاً لكرامة الإنسان، بل يشكل قنبلة موقوتة تهدد بانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، مما يحول غزة من سجن مفتوح إلى "مقبرة جماعية مفتوحة" تفتقر لأبسط شروط السلامة العامة.
حياة فوق الاحتمال.. معاناة المرضى والأطفال في غياب الإعمار
لم يقتصر نداء الدفاع المدني على الموتى، بل شمل الأحياء الذين يعانون "ويلات الحرب" وآثارها البشعة التي تفوق قدرة الإنسان الطبيعي على التحمل. الأطفال والنساء والمرضى في غزة يواجهون ظروفاً معيشية قاسية، حيث يفتقرون للرعاية الطبية والمساعدات الإنسانية الكافية التي تضمن لهم البقاء.
وشدد بصل على أن استمرار هذا الوضع يعني المزيد من الخسائر الإنسانية المجانية، مؤكداً أن العجز عن بدء عملية إعادة الإعمار الفورية يفاقم من معاناة مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام مهترئة فوق ركام منازلهم أو في مراكز إيواء تفتقر لأدنى المعايير الصحية، مما يجعل من كل يوم إضافي في هذا الحصار بمثابة حكم إعدام جديد بحق الضعفاء.
المطالب الحقوقية.. فتح معبر رفح هو الممر الإجباري للنجاة
وجه الدفاع المدني الفلسطيني جملة من المطالب الصارمة للجهات الدولية والوسطاء، وعلى رأسها ضرورة التحرك الفوري لفتح معبر رفح بشكل كامل ودائم.
إن فتح المعبر لا ينبغي أن يقتصر على المساعدات الغذائية المحدودة، بل يجب أن يشمل السماح بإدخال "المعدات الثقيلة" مثل الجرافات والرافعات وآلات الحفر العملاقة، لتمكين طواقم الإنقاذ من رفع ملايين الأطنان من الركام وانتشال الجثث المفقودة.
كما شدد النداء على ضرورة تدفق المساعدات الطبية واللوجستية العاجلة وبدء عملية إعادة الإعمار دون أي تأخير، معتبراً أن أي مماطلة إضافية تحت حجج أمنية واهية هي مشاركة فعلية في الجريمة المرتكبة بحق مليوني فلسطيني.
غياب الدور الدولي.. تواطؤ الصمت أمام كوارث غزة
انتقد محمود بصل صمت المؤسسات الحقوقية العالمية تجاه النمط الموثق للاحتلال في عرقلة عمل الدفاع المدني؛ فمنذ بداية الحرب، تعرضت طواقم الإنقاذ للاستهداف المباشر، وفقدت المنظومة أكثر من 80% من قدرتها التشغيلية.
إن غياب "الضمانات الدولية" لحماية فرق الإسعاف أثناء محاولتها انتشال الضحايا جعل من عمليات الإنقاذ "مهمات انتحارية". ويأتي هذا النداء ليضع الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أمام اختبار حقيقي؛ فبعد زوال "ذريعة الأسرى"، لم يعد هناك أي مبرر قانوني أو أخلاقي لاستمرار تقييد دخول المعدات الثقيلة التي تعتبر "عصب الحياة والكرامة" في غزة المنكوبة.
غزة تستحق "الكرامة" قبل "الإغاثة"
في نهاية المطاف، يبقى نداء محمود بصل صرخة في وادي الصمت العالمي، مذكراً بأن غزة لا تحتاج فقط للطعام والماء، بل تحتاج لاستعادة كرامة إنسانها حياً وميتاً.
إن انتشال الجثامين من تحت الأنقاض هو الخطوة الأولى نحو التعافي النفسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني، وبدون معدات ثقيلة ستبقى "الحقيقة" مدفونة تحت ركام غزة.
إن المسؤولية الآن تقع على عاتق كل صاحب ضمير في هذا العالم للضغط من أجل فتح المعابر وإدخال آلات الإعمار، قبل أن يتحول القطاع إلى أثر بعد عين، وقبل أن يُكتب في تاريخ البشرية أن العالم وقف يتفرج على آلاف الأطفال وهم يتحللون تحت بيوتهم في انتظار "قرار دولي" لم يأتِ أبداً.










