"هدنة بالاسم وموت بالفعل".. رصاص الاحتلال يغتال أحلام الغزيين خارج خطوط التماس
سجلت الساعات الأخيرة في قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية، حيث تواصلت الاستهدافات الإسرائيلية الممنهجة ضد المدنيين الفلسطينيين رغم وجود تفاهمات هشة لوقف إطلاق النار.
وأفادت مصادر طبية وفي الإسعاف والطوارئ، مساء اليوم ، باستشهاد شاب فلسطيني برصاص قوات الاحتلال المتمركزة خارج مناطق انتشارها التقليدية في منطقة جباليا شمالي القطاع.
هذا الحادث لم يكن معزولاً، بل جاء ليرفع حصيلة الشهداء منذ ساعات الصباح إلى ثلاثة، في إشارة واضحة إلى تصاعد وتيرة "القنص الميداني" الذي يمارسه جيش الاحتلال كأداة لتكريس مناطق عازلة غير قانونية، ومنع المواطنين من العودة إلى أحيائهم المدمرة أو تفقد ممتلكاتهم التي سحقها العدوان المستمر منذ أكثر من عامين.
خارطة الشهداء.. جباليا والتفاح والبريج في عين العاصفة
توزعت دماء الشهداء اليوم على مختلف جغرافيا القطاع المنكوب، لترسم لوحة من الألم المتواصل؛ فالشهداء هم محمد عابد من منطقة جباليا البلد شمالاً، ومحمد خالد عبد المنعم من حي التفاح شرقي مدينة غزة، ومجدي نوفل من مخيم البريج في المنطقة الوسطى.
إن طبيعة الاستهدافات التي طالت هؤلاء الشبان، وهم في مناطق يفترض أنها بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، تؤكد أن الاحتلال لا يزال يتبنى سياسة "إطلاق النار بهدف القتل" ضد أي تحرك فلسطيني، متجاوزاً كافة التفاهمات الدولية.
هذه الجرائم تضع العائلات الفلسطينية في حالة من الرعب الدائم، حيث تحول الانتقال بين الأزقة أو البحث عن مقتنيات تحت الأنقاض إلى مغامرة محفوفة بالموت المحقق برصاص القناصة أو طائرات "الكواد كابتر".
تحت الركام وفي الطرقات.. مأساة الضحايا العالقين
لا تزال فرق الإسعاف والدفاع المدني تعاني من عجز مطبق في الوصول إلى عدد غير محدد من الضحايا الذين لا يزالون تحت ركام المنازل المنهارة وفي الطرقات الوعرة.
وأكدت مصادر طبية أن منع الاحتلال لطواقم الإنقاذ من التحرك بحرية، واستهدافه المتكرر للآليات الثقيلة، يحول دون انتشال هؤلاء الضحايا، مما يترك العائلات في حالة من العذاب النفسي بانتظار معجزة تمكنهم من مواراة أحبائهم الثرى.
إن بقاء الجثامين في الشوارع لا يمثل فقط انتهاكاً لكرامة الميت، بل ينذر بكارثة بيئية وصحية في ظل تراكم الأنقاض وتدمير البنية التحتية للصرف الصحي، وهو ما يندرج ضمن سياسة "الإبادة الصامتة" التي يمارسها الاحتلال بجانب آلة القتل المباشر.
الحصيلة التراكمية.. 71 ألف شهيد وصرخة غزة للعالم
دخل العدوان الإسرائيلي مرحلة تاريخية من حيث ضخامة الخسائر البشرية؛ حيث ارتفعت الحصيلة الإجمالية منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71 ألفاً و660 شهيداً، بينما تجاوز عدد المصابين حاجز 171 ألفاً و419 جريحاً.
هذه الأرقام، التي تمثل نحو 10% من سكان القطاع بين شهيد ومصاب، تعكس حجم التدمير الشامل الذي طال النسيج الديموغرافي الفلسطيني معظم هؤلاء الضحايا هم من الأطفال والنساء، مما يثبت أن الاستهداف كان موجهاً بالأساس للمدنيين وليس للأهداف العسكرية كما يدعي الاحتلال.
ومع مطلع عام 2026، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام أكبر كارثة إنسانية في القرن الواحد والعشرين، وسط عجز عن وقف النزيف أو محاسبة الجناة في المحاكم الدولية.
واقع "الهدنة الهشة".. 486 شهيداً منذ اتفاق أكتوبر
منذ بدء سريان ما يسمى بـ "وقف إطلاق النار" في 11 أكتوبر الماضي، تشير الإحصائيات الطبية إلى واقع مغاير تماماً للهدوء المزعوم؛ حيث ارتقى 486 شهيداً في خروقات إسرائيلية متنوعة شملت القنص، والقصف المدفعي المحدود، وإطلاق النار من الزوارق الحربية.
كما سجلت الفترة ذاتها إصابة 1341 مواطناً، تم تحويل العديد منهم إلى مستشفيات ميدانية تفتقر لأبسط الإمكانيات، وفي سياق متصل، تمكنت الطواقم من انتشال 714 جثماناً كانت عالقة تحت الأنقاض منذ فترات سابقة، مما يكشف عن حجم المأساة التي كانت مخفية تحت ركام المباني.
إن هذه الأرقام تثبت أن "الهدنة" لم تكن سوى وسيلة لإعادة تموضع قوات الاحتلال، بينما استمرت عمليات التصفية الجسدية للمدنيين بوتيرة لا تقل خطورة عن أيام الحرب المفتوحة.
غزة ومعركة البقاء فوق الركام
يبقى استشهاد محمد عابد ورفاقه اليوم صرخة في وجه الضمير العالمي الذي سمح لهذه المأساة بأن تطول وتتعمق. إن استمرار سقوط الشهداء رغم "اتفاقيات الهدنة" يؤكد أن الاحتلال لا يفهم سوى لغة القوة والتوسع، وأن الفلسطيني في غزة يواجه قراراً بالاستئصال بغض النظر عن المسميات السياسية للمرحلة. إن المطلوب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار، بل توفير حماية دولية عاجلة للشعب الفلسطيني، وإدخال معدات الإنقاذ الثقيلة لانتشال المفقودين، والبدء في إعمار ما دمرته آلة الحرب.
ستظل غزة، برغم وصول حصيلة ضحاياها إلى أرقام مرعبة، صامدة فوق ركامها، بانتظار عدالة دولية تنصف الشهداء والجرحى وتضع حداً لهذا النزيف الذي يهدد بحرق الأخضر واليابس في المنطقة برمتها.









