تكشف وثيقة أمريكية داخلية تفاصيل دقيقة لما تُسميه واشنطن إدارة قطاع غزة في "اليوم التالي" للحرب، في صيغة تتجاوز أي تصور دولي أو أممي لإدارة مرحلة ما بعد العدوان. الوثيقة، الموقّعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ترسم إطارًا لحكم انتقالي تقوده الولايات المتحدة بشكل مباشر، مع نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وإعادة هندسة البنية السياسية والأمنية للقطاع.
وبحسب ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن الوثيقة لا تتعامل مع غزة كإقليم خاضع لعملية سياسية دولية، بل كمنطقة تُدار بأوامر تنفيذية أمريكية مباشرة، تُمنح فيها للرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة تتجاوز الأعراف الدولية، وتؤسس عمليًا لنظام وصاية سياسي وأمني على أكثر من مليوني فلسطيني.
مجلس السلام الحاكم
تنص الوثيقة صراحة على إنشاء كيان يُسمّى "مجلس السلام"، لا بوصفه هيئة تنسيقية أو إطارًا إشرافيًا، بل كسلطة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات. وتُحدد الوثيقة أن ترامب، بصفته رئيس هذا المجلس، هو "المرجعية العليا والنهائية" في جميع القرارات المتعلقة بقطاع غزة، بما يشمل التعيينات، العزل، وإدارة الملفات السيادية.
ويمنح النص مجلس السلام سلطات تشريعية وتنفيذية مؤقتة، إضافة إلى صلاحيات طوارئ واسعة وإدارة المنظومة القضائية في القطاع، ما يعني عمليًا تعطيل أي تمثيل فلسطيني حقيقي، وتحويل القرار السياسي والقانوني إلى أداة أمريكية خالصة تُدار من خارج الإقليم.
إقصاء الأمم المتحدة
رغم أن الوثيقة لا تنص صراحة على استبعاد الأمم المتحدة، إلا أن مضمونها يكشف إقصاءً فعليًا وكاملًا لأي دور أممي في إدارة غزة المستقبلية. إذ تحصر الوثيقة جميع الصلاحيات الإدارية والتنفيذية بيد مجلس السلام وأجهزته التابعة، دون إسناد أي دور إشرافي أو تنسيقي للأمم المتحدة أو لوكالاتها المختلفة.
ويعكس هذا التوجه انسجامًا مع الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية التي لطالما سعت إلى تهميش المؤسسات الدولية، خصوصًا في الملفات التي تتعلق بالاحتلال والجرائم المرتكبة منذ أكتوبر 2023، خشية أي مساءلة قانونية أو سياسية قد تُقوّض الرواية الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا.
ممثّل سامٍ مفروض
تتضمن الوثيقة تعيين نيكولاي ميلادينوف كأول "ممثّل سامٍ لغزة"، مع منحه صلاحيات تنفيذية مباشرة تشمل الإشراف على جهاز الشرطة، إدارة المساعدات الإنسانية، قيادة مشاريع إعادة الإعمار، وتعيين مسؤولي الحكم المدني. وتؤكد الوثيقة أن هذه الصلاحيات تُمارَس تحت رقابة المجلس التنفيذي التابع لمجلس السلام.
وفي الوقت نفسه، تمنح الوثيقة ترامب سلطة عزل الممثّل السامي بقرار مباشر، ما يُفرغ المنصب من أي استقلالية، ويحوّله إلى أداة تنفيذية ضمن منظومة حكم أمريكية مغلقة، لا تخضع لأي رقابة دولية أو مساءلة قانونية.
قوة استقرار مُسيّسة
تؤكد الوثيقة أن ما يُسمّى "قوة الاستقرار الدولية" (ISF) ستكون خاضعة بالكامل لسلطة سياسية أمريكية مباشرة، حيث يُمنح الرئيس الأمريكي صلاحية حصرية بالموافقة على مشاركة الدول في هذه القوة، إضافة إلى تعيين قائدها أو استبداله متى شاء.
ويكشف هذا الترتيب أن القوة ليست آلية حفظ سلام محايدة، بل أداة أمنية مُسيّسة، تُستخدم لفرض الوقائع التي عجز الاحتلال الإسرائيلي عن تكريسها عسكريًا، خصوصًا في ظل فشل الحرب في كسر إرادة المقاومة أو فرض استقرار أمني دائم.
إقصاء المقاومة سياسيًا
تنص الوثيقة بوضوح على أن المشاركة في الحكم، إعادة الإعمار، التنمية الاقتصادية، أو حتى العمل الإنساني، ستكون محصورة بالجهات التي تُصنّفها الولايات المتحدة بأنها "غير مرتبطة بالإرهاب". ويعني ذلك استبعادًا شاملًا لأي فاعل فلسطيني يُشتبه بعلاقته، الحالية أو السابقة، مع حركة حماس أو فصائل المقاومة.
ويُظهر هذا البند محاولة أمريكية لإعادة إنتاج المشهد السياسي في غزة عبر أدوات الإقصاء والتجريم، بدل الاعتراف بالواقع السياسي والاجتماعي الذي فرضته المقاومة الفلسطينية رغم الحرب والدمار.
تهجير مُقنّع
تشير الوثيقة إلى أن سكان قطاع غزة "أحرار في مغادرة القطاع"، بصيغة قانونية مبهمة، تفتح الباب أمام تفسيرات سياسية وديمغرافية خطيرة. ورغم أن النص لا يتحدث صراحة عن التهجير، إلا أن السياق العام، مقرونًا بالدمار الواسع وانعدام الضمانات، يجعل هذا البند أقرب إلى شرعنة تهجير قسري مقنّع.
كما تتضمن الوثيقة إنشاء مناطق إنسانية وممرات خاضعة للرقابة، بحجة ضمان وصول المساعدات، دون تحديد آليات إشراف دولية مستقلة، ما يعزز المخاوف من استخدام هذه المناطق كأدوات ضبط سكاني وأمني، وليس كحل إنساني حقيقي.










