غزة تواجه خطر "الموت عطشاً".. تدمير خط "ميكروت" يقطع شريان الحياة الأخير عن المدينة
تتصاعد التحذيرات الإنسانية والبيئية في مدينة غزة مع مطلع عام 2026، حيث أطلقت "بلدية غزة" صرخة استغاثة أخيرة جراء تفاقم أزمة عطش حادة وغير مسبوقة تضرب أركان المدينة المنهكة.
وتأتي هذه الأزمة الخانقة في أعقاب إقدام قوات الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ أعمال تجريف واسعة شرق المدينة، أدت إلى كسر مباشر وتعطل كلي في خط مياه "ميكروت" الاستراتيجي، الذي يعد المزود الرئيسي والوحيد المتبقي الذي كان يغذي المدينة بنحو 70% من احتياجاتها المائية في ظل الظروف الراهنة.
إن هذا الاستهداف المتعمد للبنية التحتية المائية يضع مئات الآلاف من السكان أمام واقع كارثي، حيث لم يعد الحصول على شربة ماء نظيفة أمراً ممكناً، بل تحول إلى رحلة بحث شاقة ومحفوفة بالمخاطر في أزقة مدينة سُحقت معالمها، مما ينذر بانتشار واسع للأوبئة والأمراض الفتاكة نتيجة الاعتماد على مصادر مياه ملوثة وغير صالحة للاستخدام البشري.
تدمير ممنهج للبنية التحتية.. غزة تفقد 85% من آبارها ومصادر إمدادها
لم تكن أزمة خط "ميكروت" وليدة الصدفة، بل جاءت لتتوج سلسلة من العمليات التدميرية التي استهدفت القطاع المائي منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023 وحتى عام 2026.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن بلدية غزة، فقد تعرضت المنظومة المائية لدمار شامل طال قرابة 85% من آبار المياه الجوفية داخل المدينة، مما أدى إلى تقليص هامش الإمدادات المتاحة للسكان إلى مستويات دنيا لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات البقاء على قيد الحياة.
وتوضح الأرقام المفزعة أن الاحتياج اليومي للمدينة كان يتجاوز 100 ألف كوب يومياً قبل الحرب، بينما يعيش السكان حالياً في ظل عجز مائي يصل إلى 90%، وهي فجوة هائلة تعكس حجم الجريمة المرتكبة بحق المدنيين، حيث تحولت شبكات المياه التي كان يبلغ طولها آلاف الأمتار إلى ركام تحت الأرض نتيجة القصف والتجريف المستمر الذي طال أكثر من 150 ألف متر طولي من الشبكات الرئيسية والفرعية.
أحياء غزة في عزلة مائية.. تعطل محطة السودانية يغلق أبواب البدائل
أدى الكسر الأخير في خط "ميكروت" إلى انقطاع كامل للمياه عن مساحات جغرافية واسعة ومكتظة بالسكان، شملت أحياء تاريخية وحيوية مثل البلدة القديمة، وحي الزيتون، والصبرة، وتل الهوى، وصولاً إلى المناطق الغربية للمدينة.
وما ضاعف من حدة هذه الكارثة هو الدمار السابق الذي لحق بمحطة التحلية في منطقة السودانية شمال غربي المدينة، والتي كانت تمثل مصدراً بديلاً وحيوياً للتخفيف من حدة الطلب المتزايد على الشبكة المتهالكة.
ومع خروج هذه المحطة عن الخدمة وتدمير الخطوط الناقلة، وجدت الأسر النازحة والمقيمة نفسها في مواجهة مباشرة مع خطر الجفاف، حيث تضطر آلاف العائلات إلى الانتظار لساعات طويلة في طوابير ممتدة أمام نقاط توزيع بدائية، أو اللجوء إلى استخدام مياه مالحة وغير معالجة، مما يفاقم من الأزمات الصحية خاصة بين الأطفال والنساء الذين يعانون أصلاً من سوء تغذية حاد.
استغاثة البلدية.. نقص المعدات والطاقة يهدد جهود الإصلاح الطارئة
في ظل هذا المشهد المأساوي، لا تزال بلدية غزة تحاول جاهدة التنسيق مع سلطة المياه الفلسطينية للوصول إلى موقع العطل في خط "ميكروت" شرق المدينة للبدء في أعمال الإصلاح، إلا أن هذه الجهود تصطدم بعقبات لوجستية وميدانية جسيمة تضعها قوات الاحتلال.
وتؤكد البلدية حاجتها الماسة والعاجلة لتوفير مستلزمات الصيانة الأساسية التي يمنع دخولها منذ أشهر، وتشمل المواسير ذات الأقطار الكبيرة، والمضخات، والمعدات الفنية، ومواد البناء اللازمة لترميم ما دمرته الجرافات.
كما شدد البيان على أن غياب الوقود والزيوت والمولدات اللازمة لتشغيل الآبار المتبقية يمثل عائقاً حاسماً، حيث باتت الآليات الثقيلة والخفيفة التابعة للبلدية خارج الخدمة تماماً بعد تدمير معظمها خلال العمليات العسكرية، مما يجعل من عملية "الإصلاح" مهمة شبه مستحيلة في ظل نقص الإمكانيات التقنية والتمويلية اللازمة لإعادة شريان الحياة للمدينة.
الإبادة الجماعية لعام 2026.. أرقام تتحدث عن محو مدن كاملة من الخريطة
تأتي أزمة المياه في غزة كجزء من لوحة أكبر لإبادة جماعية مستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، مدعومة بمواقف دولية متواطئة تجاهلت كافة النداءات الإنسانية وأوامر محكمة العدل الدولية.
إن حصيلة هذه الإبادة التي تجاوزت 243 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، بالإضافة إلى آلاف المفقودين تحت الأنقاض، تعكس رغبة واضحة في جعل قطاع غزة مكاناً غير قابل للحياة و إن تدمير مصادر المياه هو سلاح "تجويع وعطش" صامت يقتل ببطء ما لم تقتله القذائف، حيث تم محو أحياء كاملة ومدن من على الخريطة، وتحولت غزة إلى ركام يفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية.
ومع استمرار المجتمع الدولي في سياسة "غض الطرف"، تظل بلدية غزة وسكانها يواجهون قدرهم في الدفاع عن حقهم في الوجود، مطالبين بضغط دولي حقيقي لفتح المعابر وإدخال المعدات الطارئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول المدينة إلى مقبرة كبرى لضحايا العطش والجفاف.










