20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مستقبل الدخل في مهب الريح.. كيف تحول "الأمان الوظيفي" في قطاع غزة إلى ذكريات من الماضي؟ (خاص)

مستقبل الدخل في مهب الريح.. كيف تحول "الأمان الوظيفي" في قطاع غزة إلى ذكريات من الماضي؟ (خاص)

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٢٨ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
11 مشاهدة
تعبيرية

تعبيرية

مستقبل الدخل في مهب الريح.. كيف تحول "الأمان الوظيفي" في قطاع غزة إلى ذكريات من الماضي؟

لم تكن حرب الإبادة التي شُنت على قطاع غزة مجرد جولة من الدمار العسكري، بل كانت زلزالاً ضرب أركان المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في مقتل، واليوم، وبينما يحاول القطاع لملمة أشلائه، يبرز خطر جديد لا يقل ضراوة عن القصف، وهو "الانهيار الشامل لسوق العمل".

 يرى الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، أن الوظائف في غزة باتت تتساقط كأوراق الشجر في خريف اقتصادي قارس، حيث لم تتوقف آثار الحرب عند حدود تدمير المنشآت، بل امتدت لتطال لقمة عيش آلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها بشكل مفاجئ وقاسٍ. 

هذا الواقع الجديد أدخل الغالبية العظمى من سكان القطاع في نفق مظلم من الفقر المدقع، وسط غياب تام لأي شبكات أمان وظيفي أو تعويضات مالية تسند العمال والموظفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في طوابير البطالة الطويلة التي باتت تغص بها شوارع غزة المنكوبة.

إن الأزمة الراهنة في سوق العمل لا تعبر عن نقص عابر في الفرص، بل تعكس تفككاً بنيوياً في مصادر الدخل؛ فما بين بنية تحتية مدمرة بالكامل واقتصاد مشلول يعتمد على المساعدات، بدأت المؤسسات والشركات في اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية طالت الكادر البشري الذي يمثل العمود الفقري للمجتمع. 

ويؤكد أبو قمر أن موجة التسريح غير المسبوقة التي يشهدها القطاع الخاص والمؤسسات الدولية هي نتيجة طبيعية لغياب السياسات الحمائية الحكومية، ونتيجة مباشرة لسنوات الحصار الطويل التي استنزفت المدخرات والقدرة على الصمود. 

إن فقدان الوظيفة في غزة اليوم لا يعني البحث عن عمل جديد، بل يعني الانزلاق نحو المجاعة والحاجة الماسة للمساعدات الإغاثية، وهو ما ينذر بتحول مجتمعي خطير قد يصعب تداركه في السنوات القادمة إذا استمر مسار "تآكل الوظائف" بهذا الشكل المتسارع والتعسفي.

البطالة في غزة

تعكس الأرقام والإحصائيات الصادرة عن الجهات الرسمية حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بسوق العمل؛ فحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، قفزت نسبة البطالة في قطاع غزة لتلامس حاجز الـ 77%، وهي نسبة تعتبر من الأعلى عالمياً في العصر الحديث. 

ومع استمرار تداعيات الحرب، تشير التقديرات الاقتصادية الحالية إلى أن النسبة الحقيقية للبطالة تجاوزت بالفعل حاجز الـ 80%، خاصة مع الشلل شبه الكامل الذي أصاب القطاعات الحيوية مثل الصناعة والزراعة والبناء والتعليم والخدمات. 

هذه القطاعات التي كانت تستوعب مئات آلاف العمال باتت اليوم أطلالاً، حيث دُمرت المصانع، وجُرفت الأراضي الزراعية، وتوقفت الورش الحرفية، ما جعل العودة إلى العمل تتطلب سنوات طويلة من إعادة الإعمار وضخ رؤوس الأموال الضخمة التي لا تزال غائبة عن المشهد.

هذا الارتفاع الصاروخي في معدلات البطالة ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو تعبير عن مئات آلاف القصص الإنسانية المؤلمة لآباء وأمهات فقدوا القدرة على توفير الحليب لأطفالهم أو الدواء لمرضاهم. 

إن انزلاق غزة نحو هذا الركود الاقتصادي طويل الأمد يعني بالضرورة تزايد معدلات الجريمة، والإحباط النفسي، والهجرة القسرية للشباب والكفاءات، مما يفرغ القطاع من طاقاته المنتجة. 

قرارات الأونروا والقطاع الخاص

الأخطر في موجة التسريح الحالية هو أنها طالت مؤسسات كبرى ومنظمات دولية كان يُفترض أن تشكل "حائط الصد الأخير" للمجتمع في زمن الكوارث. 

وفي هذا السياق، برزت قضية إنهاء عقود 622 موظفاً في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كصدمة كبرى للرأي العام، خاصة وأن هؤلاء الموظفين قضوا عاماً كاملاً في إجازة قسرية دون راتب قبل قرار فصلهم النهائي.

 ويرى الباحث أحمد أبو قمر أن مثل هذه القرارات من قبل مؤسسة أممية بحجم الأونروا لا تعكس فقط عمق الأزمة المالية التي تعاني منها الوكالة، بل تثير تساؤلات أخلاقية وقانونية حول مفهوم "العدالة والمسؤولية الاجتماعية" تجاه الموظفين في أوقات الحروب والإبادة، بدلاً من دعمهم وتوفير الأمان الوظيفي لهم ولعائلاتهم.

بالتوازي مع ذلك، لجأت شركات كبرى في القطاع الخاص إلى اتخاذ قرارات تسريح تعسفية بحجة الخسائر المالية الفادحة أو تضرر المنشآت، وبعضها تذرع بمغادرة الموظفين للقطاع خلال أيام الحرب بحثاً عن النجاة. 

هذه الإجراءات زادت من حالة الانكشاف الاقتصادي للمواطنين، حيث وجد الموظف نفسه مطروداً من عمله في وقت هو في أمس الحاجة فيه لكل شيكل لمواجهة غلاء الأسعار الجنوني.

 إن غياب القوانين التي تحمي العامل في حالات القوة القاهرة جعل من الموظف الحلقة الأضعف، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة للعلاقة بين المشغل والموظف في قطاع غزة، وضرورة وجود صناديق تكافلية أو ضمان اجتماعي حقيقي يحمي العمال من تقلبات السياسة وويلات الحروب التي لا تنتهي في هذه المنطقة الجغرافية المنهكة.

إن ما يجري في سوق العمل بغزة ليس مجرد أزمة عابرة يمكن حلها ببعض المساعدات الغذائية، بل هو مسار انحداري خطير يتطلب استراتيجية تدخل وطنية ودولية عاجلة.

ويشدد الباحثون على ضرورة العمل على مسارين متوازيين الأول هو الحماية الفورية لما تبقى من فرص العمل عبر دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمنح تشغيلية وقروض ميسرة تمكنها من العودة للإنتاج، والثاني هو البدء في برامج تشغيل مؤقتة واسعة النطاق (بطالة) تستوعب الخريجين والعمال المهرة، لضمان ضخ السيولة المالية في الأسواق المحلية وتحريك العجلة الاقتصادية المتوقفة.

 كما يجب على الجهات المانحة توجيه التمويل نحو مشاريع إعادة الإعمار التي تعتمد على العمالة المحلية الكثيفة لتقليص فجوة البطالة بشكل تدريجي.

علاوة على ذلك، لا بد من تفعيل دور النقابات والاتحادات العمالية للوقوف في وجه قرارات الفصل التعسفي، والضغط على المؤسسات الدولية والقطاع الخاص لتحمل مسؤولياتهم تجاه الموظفين. 

إن حماية الأمان الوظيفي هي جزء لا يتجزأ من حماية الأمن القومي والمجتمعي؛ فالمجتمع الذي يفقد شبابه وظائفهم وكرامتهم المهنية هو مجتمع يسهل دفعه نحو اليأس والتطرف وإن قطاع غزة بحاجة اليوم إلى "مشروع مارشال" اقتصادي حقيقي يركز على الإنسان كقيمة مضافة، وليس فقط كمتلقٍ للمساعدات الإغاثية، وذلك لضمان استعادة الحد الأدنى من الاستقرار قبل أن تتحول البطالة الدائمة إلى واقع لا يمكن الهروب منه، يلتهم مستقبل الأجيال القادمة ويحول غزة إلى سجن اقتصادي كبير.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال