21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هدنة غزة تُنتهك بالدم: 500 شهيد بعد وقف النار يفضحون وهم الالتزام الإسرائيلي

رغم الإعلان الرسمي عن دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ، ما زال الواقع الميداني يكشف فجوة عميقة بين النصوص المعلنة وما يجري فعليًا على الأرض. فالقصف لم يتوقف كليًا، وسقوط الضحايا لم ينقطع،

بقلم: سماح عثمان
٢٩ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
9 مشاهدة
هدنة غزة تُنتهك بالدم

هدنة غزة تُنتهك بالدم

رغم الإعلان الرسمي عن دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ، ما زال الواقع الميداني يكشف فجوة عميقة بين النصوص المعلنة وما يجري فعليًا على الأرض. فالقصف لم يتوقف كليًا، وسقوط الضحايا لم ينقطع، فيما تحوّلت الهدنة إلى حالة رمادية تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات الإنسانية. وفي هذا السياق، أعلن مندوب دولة فلسطين لدى الأمم المتحدة أن عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار بلغ نحو خمسمئة شهيد، في رقم يعكس بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتعامل مع الاتفاق باعتباره التزامًا ملزمًا، بل كأداة سياسية قابلة للتأويل والتجاوز.

المشهد الميداني في غزة

المشهد الميداني خلال الأسابيع الماضية يشير إلى نمط متكرر من الخروقات الإسرائيلية عل قطاع غزة، شمل غارات جوية محدودة، واستهدافات مدفعية متقطعة، وإطلاق نار مباشر على مدنيين أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم أو تفقد مناطقهم، فضلًا عن تعطيل وصول طواقم الإسعاف في بعض المواقع. هذه الوقائع، التي وثقتها جهات محلية ودولية، لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية قائمة على إدارة الهدنة أمنيًا لا احترامها قانونيًا، بما يسمح بإبقاء الضغط العسكري قائمًا دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تفرض كلفة سياسية دولية أعلى.

من الناحية القانونية، لا تترك قواعد القانون الدولي الإنساني مجالًا واسعًا للتأويل. فإسرائيل، بوصفها قوة احتلال، تظل ملزمة بحماية السكان المدنيين في جميع الأحوال، سواء في زمن الحرب أو أثناء وقف إطلاق النار. وتنص اتفاقيات جنيف بوضوح على أن أي قتل متعمد أو استهداف غير مبرر للمدنيين يشكّل انتهاكًا جسيمًا، يرتقي إلى جريمة حرب، خصوصًا عندما يحدث في ظل غياب الضرورة العسكرية. كما أن استمرار العمليات العسكرية بعد إعلان الهدنة يفقد الاحتلال أي غطاء قانوني يمكن التذرع به، ويحوّل تلك الأفعال إلى مسؤولية جنائية مباشرة تقع على عاتق صناع القرار والقادة العسكريين.

خروقات الهدنة في غزة

غير أن الخطورة لا تكمن فقط في استمرار الخروقات بقطاع غزة، بل في الطريقة التي يُعاد من خلالها تعريف مفهوم وقف إطلاق النار. فبدل أن يكون محطة لوقف نزيف الدم وتهيئة المسار السياسي، جرى توظيفه إسرائيليًا كوسيلة لإعادة التموضع وإعادة ترتيب الأولويات، وربط الالتزام به بملفات سياسية وأمنية لاحقة، في مقدمتها ملف الأسرى وترتيبات “اليوم التالي” في غزة. وبهذا المعنى، لم تعد الهدنة إجراءً إنسانيًا، بل تحولت إلى أداة ضغط إضافية تُستخدم ضد المدنيين الفلسطينيين.

في المقابل، يبرز تقصير واضح من جانب المجتمع الدولي والدول الضامنة للاتفاق، التي اكتفت ببيانات القلق والدعوات العامة إلى “ضبط النفس”، دون تفعيل أي آليات رقابية أو مساءلة فعلية. هذا الصمت، في ظل توثيق مئات الشهداء، يفتح الباب أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية، بل وحتى قانونية غير مباشرة، خاصة مع استمرار بعض الدول في تقديم الدعم العسكري للاحتلال رغم علمها المسبق بخطر استخدام هذا السلاح ضد المدنيين.

 

إعلان مندوب فلسطين في الأمم المتحدة عن سقوط نحو 500 شهيد منذ وقف إطلاق النار في غزة لا يحمل بعدًا إحصائيًا فحسب، بل يشكل وثيقة سياسية وقانونية بالغة الأهمية. فهو يعيد تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات تبييض السلوك الإسرائيلي، ويمنح المسار القانوني الدولي، ولا سيما أمام المحكمة الجنائية الدولية، مادة إضافية تدحض ادعاءات الالتزام بالهدنة. ومع ذلك، تبقى العدالة الدولية رهينة الإرادة السياسية، في ظل نظام عالمي لا يزال يتعامل بازدواجية صارخة عندما يكون الفلسطيني هو الضحية.

تكشف هذه التطورات أن المشكلة لم تعد في غياب الاتفاقات، بل في غياب الضمانات والإرادة الدولية لفرضها. فوقف إطلاق النار الذي لا يحمي المدنيين ولا يوقف القتل يفقد معناه، ويتحول إلى غطاء شكلي يسمح باستمرار الجرائم تحت مسميات جديدة. وفي ظل استمرار سقوط الشهداء، تتعزز القناعة بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على جوهر القانون الدولي ذاته، وعلى ما إذا كان سيظل أداة للعدالة، أم مجرد نص يُعطّل كلما تعارض مع مصالح الاحتلال.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هدنة غزة تُنتهك بالدم: 500 شهيد بعد وقف النار يفضحون وهم الالتزام الإسرائيلي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°