21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل تبتلع خطة كوشنر السيادة الفلسطينية تحت غطاء التنمية الاقتصادية؟

هل تبتلع خطة كوشنر السيادة الفلسطينية تحت غطاء التنمية الاقتصادية؟

بقلم: محمد خميس
٢٩ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
جاريد كوشنر

جاريد كوشنر

هل تبتلع خطة كوشنر السيادة الفلسطينية تحت غطاء التنمية الاقتصادية؟

مع مطلع عام 2026، عاد ملف إعادة إعمار قطاع غزة ليتصدر الأجندات الدولية كأحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، حيث برز بوضوح مساران متناقضان يطرحان رؤيتين مختلفتين تماماً لمستقبل القطاع المنكوب. 

المسار الأول يقوده جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ومخطط "صفقة القرن" السابق، والذي يطرح خطة تعتمد بالأساس على "الاستثمار الاقتصادي العابر للحدود" كبديل عن الحلول السياسية التقليدية، فيما يبرز المسار الثاني ممثلاً في الرؤية المصرية التي تستند إلى الربط العضوي بين الإعمار والسيادة الفلسطينية تحت مظلة الشرعية الدولية.

 ويكمن الخلاف الجوهري بين المسارين في نظرة كل منهما لهوية غزة السياسية؛ فبينما يرى كوشنر القطاع كفرصة استثمارية "عقارية وسياحية" يمكن دمجها في نظام إقليمي جديد، تصر القاهرة على أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية، وأن أي إعمار لا يمهد الطريق لسيادة وطنية حقيقية هو مجرد "تجميل للاحتلال".

إن خطة كوشنر، التي تم تسريب بعض بنودها المحدثة في عام 2026، تركز بشكل مكثف على تحويل غزة إلى منطقة اقتصادية حرة تعتمد على تدفق رؤوس الأموال الدولية وبناء مجمعات تكنولوجية وسياحية على طول الساحل، ولكن بشرط وجود نظام أمني "خارجي" وإشراف دولي يتجاوز السلطة الفلسطينية الحالية. 

هذه الرؤية تثير مخاوف حقوقية وسياسية كبرى حول مصير السيادة الفلسطينية، حيث يرى محللون أن "السلام الاقتصادي" الذي يروج له كوشنر يهدف في جوهره إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إنسانية معيشية، مما يؤدي بالتبعية إلى تمييع الحقوق السياسية التاريخية مقابل وعود بالرفاهية المادية، وهو ما تصفه الفصائل الفلسطينية بـ "الرشوة السياسية" التي تهدف لتصفية القضية عبر بوابة الإعمار.

الرؤية المصرية.. الإعمار كمدخل لتمكين الدولة والوحدة الوطنية

في المقابل، تقف الرؤية المصرية على أرضية مختلفة تماماً، حيث تنطلق القاهرة من اعتبار قطاع غزة قضية أمن قومي مصري وعمقاً استراتيجياً للدولة الفلسطينية. 

وتعتمد الخطة المصرية، التي بدأت ملامحها تتبلور عبر "المدن السكنية المصرية" وإعادة تأهيل البنية التحتية، على إشراك الكوادر والشركات الفلسطينية والمصرية بشكل مباشر، مع التأكيد على ضرورة عودة السلطة الفلسطينية لتسلم زمام الأمور الإدارية والسيادية في القطاع. 

الفارق الجوهري هنا هو أن القاهرة ترى الإعمار وسيلة لتعزيز صمود المواطن الفلسطيني فوق أرضه، وليس مقدمة لتهجيره أو تحويله إلى "موظف" في شركات دولية لا تملك غطاءً وطنياً، كما أنها تربط نجاح الإعمار بضرورة فتح المعابر بشكل دائم وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

علاوة على ذلك، تتميز الرؤية المصرية بأنها تحترم الجغرافيا السياسية للمنطقة، حيث ترفض أي طروحات تهدف إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، وهو الأمر الذي قد يسهله منطق كوشنر "الاستثماري المنفصل". 

المصريون يدركون أن أي خلل في ميزان السيادة داخل غزة سينعكس مباشرة على استقرار الحدود المشتركة، لذا فإن المقاربة المصرية تصر على أن يكون الإعمار تحت إشراف "لجنة وطنية" تضم القوى الفلسطينية الفاعلة وبغطاء من منظمة التحرير، لضمان ألا يتحول القطاع إلى كانتون منفصل يسهل التلاعب بمصيره في الصفقات الدولية الكبرى. 

هذا المسار يوفر حماية قانونية للحقوق الفلسطينية ويمنع تحويل الإعمار إلى أداة للابتزاز السياسي الذي تمارسه بعض الأطراف الدولية لفرض تنازلات جوهرية في ملفات القدس واللاجئين.

أثر المسارين على السيادة الفلسطينية.. الصدام بين "الخصخصة" و"الوطنية"

عند فحص الأثر النهائي لكل من الخطة الأمريكية والرؤية المصرية على السيادة، نجد أننا أمام صدام بين مفهومين؛ مفهوم "خصخصة السيادة" الذي يمثله كوشنر، حيث تدار المنطقة وفقاً لمصالح المستثمرين والشركات الكبرى وقوى الأمن الدولية، ومفهوم "السيادة الوطنية المستقلة" الذي تدعمه القاهرة. 

إن خطة كوشنر تخلق واقعاً يعتمد فيه الفلسطيني على إرادة الممولين، مما يجعل قراره السياسي رهينة لاستمرار التدفقات المالية، بينما تهدف الرؤية المصرية إلى بناء بنية تحتية وطنية مملوكة للشعب الفلسطيني، تكون ركيزة للدولة القادمة. 

هذا التباين يجعل من عام 2026 عام الحسم في اختيار المسار الذي سيسلكه القطاع؛ فإما الانخراط في مشاريع إقليمية تذيب الهوية الوطنية، أو الصمود خلف رؤية عربية تضمن بقاء غزة كجزء أصيل من الحلم الفلسطيني.

يبقى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة هو المتضرر الأكبر من صراع الأجندات هذا، حيث يتطلع المواطن الذي هدم منزله إلى سرعة الإعمار دون الدخول في دهاليز السياسة المعقدة. 

ومع ذلك، فإن النخبة السياسية الفلسطينية تدرك أن "الفخ" قد يكمن في التفاصيل المالية المبهرة لخطة كوشنر، وإن النجاح الحقيقي للإعمار لن يقاس بعدد الأبراج التي ستبنى، بل بمدى قدرة هذه المباني على احتضان قرار وطني مستقل لا يخضع للوصاية. 

وبينما تستمر مصر في مد جسور الإعمار المادي والسياسي، تظل تساؤلات السيادة معلقة بمدى قدرة الطرف الفلسطيني على توحيد صفوفه لمواجهة "صفقات البيزنس" برؤية وطنية شاملة تفرض نفسها على المجتمع الدولي.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال