سياسة التهجير القسري.. الاحتلال يفعل إخطار هدم منزل المواطن عمار إبراهيم في قلقيلية
سلمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الخميس ، إخطاراً نهائياً يقضي بهدم منزل مأهول بالسكان في بلدة "جيوس" الواقعة شرق مدينة قلقيلية بالضفة الغربية، وتحديداً في المنطقة الحيوية والمعقدة الواقعة خلف جدار الضم والتوسع العنصري.
وأكد مسؤول ملف الاستيطان في محافظة قلقيلية، منيف نزال، في تصريحات إعلامية، أن قوات الاحتلال اقتحمت المنطقة وسلمت المواطن عمار علي إبراهيم إخطاراً رسمياً بهدم منزله الذي تبلغ مساحته نحو 165 متراً مربعاً، بذريعة البناء دون ترخيص في المناطق المصنفة "ج".
ويقع هذا المنزل في موقع استراتيجي بالقرب من الأراضي الزراعية التابعة للعائلة، إلا أن سلطات الاحتلال تتذرع أيضاً بقربه من مستعمرة "تسوفيم" الجاثمة على أراضي المواطنين، مما يجعل قرار الهدم يكتسي صبغة سياسية تهدف إلى توسيع النفوذ الاستيطاني على حساب الوجود الفلسطيني التاريخي في تلك المنطقة.
سياسة التهجير القسري.. الاحتلال يفعل إخطار هدم منزل المواطن عمار إبراهيم في قلقيلية
وتكمن المأساة الحقيقية لهذا القرار في البعد الإنساني القاسي الذي يلف العائلة المستهدفة، حيث يؤوي المنزل المهدد بالهدم عائلة ممتدة مكونة من 17 فرداً، غالبيتهم العظمى من الفئات المستضعفة؛ إذ يضم المنزل 10 أطفال لا مأوى بديل لهم، بالإضافة إلى ثلاثة رجال وزوجاتهم، وجدة مسنة تعاني من وطأة التقدم في العمر والظروف الصحية الصعبة.
ويحذر حقوقيون من أن تنفيذ هذا القرار سيعني كارثة إنسانية محققة، حيث ستجد العائلة نفسها في العراء وسط أجواء الشتاء القارس، مما يرفع من وتيرة المناشدات المحلية والدولية لضرورة التدخل لوقف هذه الجريمة التي تندرج ضمن سياسات العقاب الجماعي والتهجير القسري الممنهج الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد القرى والبلدات المتاخمة للجدار والمستوطنات.
التفاف قانوني وتفعيل للإخطارات القديمة
أوضح منيف نزال أن قرار الهدم الصادر اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو فصل من فصول ملاحقة قانونية بدأت منذ عام 2015، حين سلمت سلطات الاحتلال الإخطار الأول بالهدم للعائلة، وهو ما واجهته العائلة آنذاك بتقديم اعتراضات قانونية وأوراق ثبوتية عبر مراكز حقوقية متخصصة، مما أدى في ذلك الوقت إلى تجميد قرار التنفيذ مؤقتاً.
ومع ذلك، وبشكل مفاجئ وفي ظل التصعيد الحالي الذي تشهده الضفة الغربية، قامت سلطات الاحتلال بإعادة تفعيل الإخطار ورفض الاعتراضات السابقة، في خطوة يراها مراقبون قانونيون أنها تعكس رغبة الاحتلال في حسم الملفات العالقة ميدانياً لصالح التمدد الاستيطاني، مستغلة الظروف السياسية الراهنة لفرض وقائع جديدة على الأرض وتفريغ المنطقة خلف الجدار من سكانها الأصليين.
إن التذرع بقضية "البناء دون ترخيص" في المناطق الواقعة خلف الجدار يعد مفارقة قانونية صارخة، حيث ترفض الإدارة المدنية الإسرائيلية منح أي تراخيص بناء للفلسطينيين في هذه المناطق بنسبة تتجاوز 98%، بينما تمنح الضوء الأخضر للمستوطنات المجاورة مثل "تسوفيم" للتوسع والبناء الاستيطاني دون أي عوائق.
هذه السياسة التمييزية تهدف بالدرجة الأولى إلى حصر الوجود الفلسطيني في معازل ضيقة ومنع أي امتداد عمراني يربط المواطن بأرضه الزراعية، مما يضطر السكان للبناء على أراضيهم الخاصة لمواجهة الزيادة السكانية الطبيعية، ليجدوا أنفسهم لاحقاً تحت مقصلة الهدم والترحيل، وهو ما يحول حياة المواطنين في بلدة جيوس وقلقيلية إلى صراع يومي من أجل البقاء وحماية السقف الذي يأويهم.
انعكاسات سياسة الهدم على محافظة قلقيلية والمواثيق الدولية
تعاني محافظة قلقيلية بشكل خاص من وطأة جدار الضم والتوسع الذي عزل آلاف الدونمات من أراضيها، وجعل الكثير من منازلها رهينة للمخططات الهيكلية الاحتلالية.
إن هدم منزل عمار إبراهيم، في حال تنفيذه، سيشكل سابقة خطيرة لتشجيع الاحتلال على هدم عشرات المنازل الأخرى التي تلقت إخطارات مماثلة في المنطقة.
ويشدد خبراء في القانون الدولي على أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة للمدنيين إلا إذا كانت الضرورة الحربية القصوى تقتضي ذلك، وهو ما لا ينطبق على حالة منزل عائلة إبراهيم الذي يقع في منطقة سكنية زراعية هادئة لا تشكل أي خطر أمني كما يدعي الاحتلال.
يبقى صمود عمار إبراهيم وعائلته في وجه هذا الإخطار رمزاً لصمود الإنسان الفلسطيني فوق أرضه رغم كل الضغوط.
إن المطلوب اليوم هو تحرك قانوني ودبلوماسي واسع لتوفير الحماية الدولية للمنازل المهددة بالهدم في جيوس وقلقيلية، والضغط على سلطات الاحتلال لوقف سياسة تفعيل الإخطارات القديمة كأداة للتهجير.
وبينما تنتظر العائلة المكونة من 17 فرداً مصيرها المجهول، تظل المناشدات قائمة للمؤسسات الحقوقية المحلية والدولية بضرورة تبني ملف العائلة ومنع تحويل أطفالها وجدتها المسنة إلى مشردين في وطنهم، وضمان حقهم الأساسي في المسكن والأمان الذي كفلته كافة الشرائع السماوية والوضعية.










