غزة تستقبل شهداءها: وصول 15 جثماناً جديداً لمجمع الشفاء ضمن صفقة التبادل الكبرى
أكد "مكتب إعلام الأسرى" في بيان رسمي صدر مساء اليوم، وصول جثامين 15 شهيداً فلسطينياً إلى قطاع غزة، كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجزهم لفترات متفاوتة خلال سنوات الحرب الماضية.
وأوضح البيان أن الجثامين وصلت إلى مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة بعد أن أفرج الاحتلال عنهم ضمن التفاهمات الجارية في "صفقة تبادل الأسرى" الكبرى التي تم التوصل إليها لإنهاء الصراع.
وبهذه الدفعة الجديدة، يرتفع إجمالي عدد جثامين الشهداء التي استلمتها الجهات الفلسطينية منذ بدء تنفيذ بنود الصفقة إلى 360 جثماناً، وهو ما يمثل جزءاً من الجهود الوطنية الرامية لإغلاق ملف المفقودين والشهداء المحتجزين في مقابر الأرقام وثلاجات الاحتلال، مما يتيح لعائلاتهم إلقاء نظرة الوداع الأخيرة ومواراتهم الثرى بكرامة إنسانية ووطنية فوق تراب أرضهم التي ضحوا من أجلها.
ومن جانبها، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن طواقمها الطبية والفنية المتخصصة بدأت فور وصول الجثامين في التعامل معها وفق الإجراءات الطبية والبروتوكولات الدولية المعتمدة في حالات الكوارث والحروب، وذلك بالتعاون الوثيق مع اللجان القانونية والجهات ذات العلاقة.
وتتضمن هذه الإجراءات عمليات فحص دقيقة وتوثيقاً شاملاً للهويات والحالة الجسدية لكل جثمان، بهدف استكمال الملفات القانونية والطبية قبل التسليم النهائي للأهالي.
وتأتي هذه الخطوة في ظل ظروف استثنائية يعيشها مجمع الشفاء الطبي، الذي يحاول استعادة عافيته بعد سنوات من الاستهداف المباشر، ليقوم بدوره الإنساني في حفظ كرامة الشهداء وضمان حقوق ذويهم في التعرف عليهم وتوثيق ظروف استشهادهم، وهو ما يمثل جزءاً أصيلاً من مهمة البحث عن العدالة والمساءلة الدولية ضد جرائم الحرب التي ارتكبت بحق المدنيين.
فاتورة عامين من الإبادة
يأتي استلام جثامين الشهداء في سياق اتفاق أنهى "إبادة جماعية" وصفت بأنها الأبشع في التاريخ الحديث، بدأها جيش الاحتلال في السابع من أكتوبر 2023 واستمرت لعامين كاملين من القتل والتدمير الممنهج.
وخلفت هذه الحرب الطاحنة حصيلة بشرية مرعبة تجاوزت 71 ألف شهيد وما يزيد على 171 ألف جريح، وهي أرقام تعكس حجم الاستهداف المباشر للكتلة البشرية الفلسطينية في قطاع غزة.
ولم يقتصر الدمار على الأرواح، بل طال الحجر والبنية التحتية بنسبة دمار هائلة بلغت 90% من المنشآت المدنية، بما في ذلك المشافي، المدارس، شبكات المياه، ومحطات الطاقة، وهو ما جعل الأمم المتحدة تقدر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، في مهمة شاقة تتطلب عقوداً من العمل الدؤوب لعودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع هذه المحرقة التي استهدفت الوجود الفلسطيني في صميمه.
ورغم التوصل إلى اتفاق ينهي هذه الإبادة، إلا أن الواقع الميداني لا يزال مشوباً بالحذر الشديد، حيث تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب خروقات متكررة لبنود الاتفاق، مما أدى إلى سقوط مئات المدنيين بين قتيل وجريح منذ توقيع التفاهمات.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، أكدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التزامها الكامل بكافة بنود الاتفاق، داعية المجتمع الدولي والوسطاء إلى ضرورة التدخل العاجل لإلزام تل أبيب باتخاذ خطوات مماثلة ووقف الاستفزازات العسكرية التي تهدد بانهيار حالة الهدوء الهشة.
وترى المقاومة أن استكمال ملف تبادل الأسرى واستعادة جثامين الشهداء هو حق أصيل لا يمكن التنازل عنه، وأن أي مماطلة في تنفيذ هذه البنود ستؤدي إلى تفجير الأوضاع مجدداً، خاصة وأن الشعب الفلسطيني ينتظر إنهاء معاناته وتدشين مرحلة الإعمار بعيداً عن آلة القتل والدمار.
المسؤولية الدولية ومستقبل غزة في ظل التهديدات القائمة
تضع قضية استعادة جثامين الشهداء الـ 360 المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه ملف "احتجاز الموتى" الذي تمارسه إسرائيل كأداة للابتزاز السياسي والعقاب الجماعي. إن وصول الـ 15 جثماناً اليوم لمجمع الشفاء ليس مجرد إجراء إداري، بل هو صرخة في وجه الضمير العالمي الذي صمت لعامين عن إبادة جماعية طالت كل مقومات الحياة.
إن غزة اليوم، وهي تلملم جراحها وتستعد لدفن شهدائها، تحتاج إلى ضمانات دولية حقيقية تمنع تكرار هذه المآسي وتؤمن طريق الإعمار والتعافي.
فالتكلفة المالية الباهظة المقدرة بـ 70 مليار دولار لا تعبر إلا عن جانب واحد من الخسارة، بينما تظل الخسارة البشرية في صفوف الأطفال والنساء والمدنيين جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية الفلسطينية لا يمكن ترميمه بالأموال، بل بالحرية والعدالة الناجزة.
يبقى قطاع غزة في مطلع عام 2026 واقفاً على مفترق طرق بين سلام حذر يحترم بنود الاتفاق ويضمن استرداد الأسرى والشهداء، وبين خروقات إسرائيلية تنذر بالعودة إلى المربع الأول.
إن استلام جثامين الشهداء الـ 15 يمثل خطوة صغيرة في طريق طويل نحو التعافي، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الشعب الفلسطيني متمسك بحقوقه حتى الرمق الأخير، وأن المقاومة والجهات الحكومية في غزة لن تترك شهيداً واحداً في مقابر الاحتلال.
ومع استمرار عمليات الفحص والتوثيق في مجمع الشفاء، تظل عيون الغزيين شاخصة نحو غدٍ خالٍ من القصف والتشريد، حيث يمكنهم أخيراً بناء ما دمرته الحرب وتوديع أحبائهم في جنازات تليق بتضحياتهم العظيمة التي صاغت ملامح الصمود الأسطوري لعامين كاملين.










