في حواره مع 180 تحقيقات.. سائد حسونة يكشف أخطر أشكال التضليل الرقمي ضد القضية الفلسطينية
في زمن لم تعد فيه الحقيقة تُنقل فقط، بل تُصنَّع وتُدار وتُستهدف، تتحول المعركة على غزة من ساحة الجغرافيا إلى فضاء الخوارزميات والمنصات والشاشات، لم يعد السؤال ماذا يحدث؟ بل، كيف يُروى ما يحدث؟ ومن يملك سلطة روايته؟، وبين حصارٍ ميداني خانق، وحصارٍ إعلامي أكثر تعقيدًا ودهاءً، برز الإعلام الرقمي كقوة كاسرة للاحتكار، لكنه في الوقت نفسه فتح أبوابًا جديدة للفوضى والتضليل والمعارك غير المرئية.
في هذا السياق، حاور موقع 180 تحقيقات سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، لفهم كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل تغطية غزة، وكيف تُدار اليوم الحرب على الرواية، ومن يحكم ما نراه وما لا نراه في عصر الخوارزميات، حوار يتجاوز توصيف الحدث إلى تفكيك بنيته الإعلامية، ويطرح أسئلة جوهرية عن الحقيقة، والتوثيق، والتأثير، ومستقبل الصراع على الوعي في واحدة من أكثر القضايا حضورًا وأشدها استهدافًا في الفضاء الرقمي.

سائد حسونة
وإليكم نص الحوار:
كيف غيّر الإعلام الرقمي طبيعة تغطية الأحداث في غزة مقارنة بالإعلام التقليدي؟
الإعلام الرقمي لم يُضِف طبقة جديدة على التغطية فحسب، بل أعاد تعريف مفهوم التغطية نفسه. في النموذج التقليدي، كانت غزة تُرى من خلال عدسة مؤسساتية محدودة: مراسل، تحرير، خط سياسي، ثم بث هذا النموذج كان ينتج صورة “مُهذّبة” للحدث، غالبًا بطيئة، ومفصولة زمنيًا وعاطفيًا عن الواقع. الإعلام الرقمي كسر هذا التسلسل، والحدث لم يعد ينتظر من يرويه، بل صار يفرض نفسه مباشرة من قلب المكان، عبر هاتف، بث مباشر، أو مقطع قصير يحمل صدمة اللحظة.
في حالة غزة، هذا التحول كان وجوديًا، حين يُمنع الصحفي من الدخول، أو تُقيَّد حركته، يصبح المواطن نفسه وسيط الحقيقة. الصورة هنا لم تعد مكمّلة للرواية، بل صارت هي الرواية. هذا منح التغطية قوة غير مسبوقة، لكنه في المقابل حمّلها فوضى، وتناقضات، وضغطًا نفسيًا هائلًا على من يوثّق ومن يشاهد.
ما دور منصات التواصل الاجتماعي في كسر الحصار الإعلامي المفروض على غزة؟
منصات التواصل لم تُلغِ الحصار الإعلامي، لكنها جعلته هشًا لم يعد بالإمكان السيطرة الكاملة على ما يخرج من غزة أو ما يصل منها إلى العالم. الشهادات، الأصوات، الأسماء، وحتى التفاصيل الصغيرة، وجدت طريقها إلى الفضاء الرقمي دون المرور عبر بوابات تحريرية تقليدية.
الأهم أن هذه المنصات لم تعمل فقط كقنوات نشر، بل كبنية إعادة توزيع. محتوى واحد يُنتج في غزة يمكن أن يُعاد نشره آلاف المرات عبر صحفيين مستقلين، نشطاء، أكاديميين، ومجتمعات تضامن، ما يمنحه حياة أطول وتأثيرًا أوسع من نشره الأصلي. بهذا المعنى، تحولت غزة من “قصة موسمية” إلى حضور دائم في النقاش العالمي، وإن كان حضورًا غير متكافئ.
إلى أي مدى نجح النشطاء الرقميون في إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم؟
النجاح كان واضحًا على مستوى الوعي الشعبي. تغيّرت اللغة، تبدّلت المصطلحات، وتراجع التسليم الأعمى بالسرديات الجاهزة، خاصة بين الأجيال الشابة عالميًا النشطاء الرقميون لم يقدّموا معلومات فقط، بل أعادوا إنسنة الفلسطيني، ونقلوه من موقع الضحية الصامتة إلى الإنسان الذي يتكلم، يشهد، ويحلّل.
لكن هذا النجاح يصطدم بسقف السياسة. الرأي العام يمكن أن يتأثر، يتعاطف، ويضغط، لكن القرارات الكبرى ما زالت تُصاغ بمنطق المصالح، لا بمنطق الترند أو التعاطف الرقمي، هنا تظهر فجوة مؤلمة بين قوة التأثير الرقمي وحدوده الواقعية.
كيف تؤثر خوارزميات المنصات الرقمية على المحتوى المتعلق بغزة؟
الخوارزميات هي الحَكَم غير المرئي في هذه المعركة. هي لا تقرأ السياق ولا تفهم المأساة، بل تقيس التفاعل، وتُوازن بين “ما يُشاهد” و”ما يُسمح به”، المحتوى المتعلق بغزة غالبًا ما يُصنَّف محتوى عالي الحساسية: صادم، سياسي، ومزعج للمعلنين. النتيجة ليست دائمًا حذفًا مباشرًا، بل تقييدًا صامتًا، خفضًا للوصول، أو إبطاءً في الانتشار.
هذا يخلق معركة غير متكافئة، حيث لا يكفي أن تكون الحقيقة قوية، بل يجب أن تكون أيضًا “متوافقة خوارزميًا”، وهو شرط لا علاقة له بالأخلاق أو العدالة.
ما أبرز أشكال التضليل الرقمي التي تواجه القضية الفلسطينية؟
التضليل الرقمي اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد خبر كاذب. كثيرًا ما يأتي على شكل تشويش: محتوى قديم يُعاد تدويره، مشاهد مبتورة تُقدَّم خارج سياقها، أو حملات منظمة تُغرق الفضاء الرقمي بروايات متناقضة، والهدف في كثير من الأحيان ليس إقناع الجمهور برواية بديلة، بل إنهاكه، ودفعه للشك بكل شيء، بما في ذلك التوثيق الصحيح.
كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، أن تُستخدم في التوثيق؟
التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تفتح إمكانات كبيرة إذا استُخدمت بانضباط. يمكنها المساعدة في تحليل الفيديوهات، تحسين جودة الصوت، تفريغ الشهادات، ترجمتها، وربط الأدلة ببعضها زمانيًا ومكانيًا. لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الإنسان، وأي استخدام غير مدروس قد ينسف مصداقية المادة، خاصة على المستوى الحقوقي والقانوني. الذكاء الاصطناعي هنا يجب أن يبقى أداة مساعدة، لا صانع حقيقة.
ما التحديات التقنية التي يواجهها الصحفيون الرقميون داخل غزة؟
العمل الصحفي في غزة يتم وسط انهيار بنيوي: كهرباء متقطعة، إنترنت ضعيف، نقص معدات، وخطر دائم بفقدان المواد أو تلفها. الصحفي لا يصارع فقط لنشر الحقيقة، بل للحفاظ عليها من الضياع أصلًا، وسط ضغط نفسي وأمني مستمر.
ما أهمية الأمن الرقمي في هذا السياق؟
الأمن الرقمي لم يعد مسألة تقنية، بل مسألة سلامة. أي اختراق قد يعني كشف مصادر، مواقع، أو تعريض أشخاص للخطر. لذلك أصبح الوعي الرقمي جزءًا لا يتجزأ من أخلاقيات العمل الصحفي والناشط.
ما مستقبل المعركة الإعلامية الرقمية حول غزة؟
المستقبل لن يكون لمن يصرخ أكثر، بل لمن ينظّم أكثر. المعركة تتجه نحو بناء أنظمة توثيق وسرد وأرشفة قادرة على الصمود أمام خوارزميات أكثر تعقيدًا وتزييف أكثر تطورًا. الرواية الفلسطينية ستبقى حاضرة، لكن قوتها القادمة ستعتمد على الهندسة، والاستدامة، وتراكم الأدلة… لا العفوية وحدها.
في محصلة هذا الحوار، لا تبدو المعركة على غزة معركة سلاح فقط، بل معركة معنى، وصورة، وذاكرة، ما يجري اليوم في الفضاء الرقمي ليس مجرد تغطية للأحداث، بل صراع مفتوح على من يملك حق التعريف، وحق التسمية، وحق تثبيت الرواية في وعي العالم.
كما يوضح سائد حسونة، فإن الإعلام الرقمي منح الفلسطينيين نافذة غير مسبوقة لكسر العزلة والحصار، لكنه في الوقت نفسه أدخلهم إلى ميدان أكثر تعقيدًا، تحكمه خوارزميات، وتديره منصات، وتُخاض فيه الحروب بهدوء لا يقل فتكًا عن القصف.
بين فوضى المحتوى، وضغط التوثيق، ومخاطر التضليل والاستهداف الرقمي، يتأكد أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة ردّ فعل، بل مرحلة بناء سردية منظَّمة، وأرشيف مقاوم للنسيان، ونظام توثيق لا يعتمد على الصدفة ولا على البطولة الفردية.
في النهاية، قد تُحاصر الحقيقة، وقد يُضيَّق عليها، لكنها ما دامت تُوثَّق وتُراكم وتُحمى – لا تموت، وغزة، التي تُقاتَل اليوم في الجغرافيا وفي الذاكرة معًا، تثبت مرة أخرى أن المعركة على الرواية ليست هامشية بل هي جزء أصيل من معركة الوجود نفسه.








