مستقبل الجبهة الجنوبية.. هل تنجح زيارة قائد الجيش اللبناني في لجم العدوان الإسرائيلي؟
يواجه لبنان في هذه المرحلة الدقيقة تقاطعاً حاداً بين العمليات الميدانية العسكرية على حدوده الجنوبية وبين الحراك الدبلوماسي العسكري رفيع المستوى في العواصم الكبرى، حيث تتجه الأنظار إلى واشنطن التي تستقبل قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون في زيارة تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البروتوكول العادي.
وتأتي هذه الزيارة في وقت يشهد فيه الجنوب اللبناني خروقات إسرائيلية متواصلة ومنهجية تضع القرار الأممي 1701 على المحك، مما يجعل من التحرك اللبناني في قلب الولايات المتحدة محاولة لترسيخ دور المؤسسة العسكرية كضمانة وحيدة للاستقرار المحلي والإقليمي، وسط غليان يضرب المنطقة من غزة إلى البحر الأحمر، وهو ما يفرض على بيروت صياغة معادلة توازن بين حماية السيادة الميدانية وبين تأمين الغطاء الدولي اللازم لمنع انزلاق البلاد نحو حرب شاملة.
دلالات التوقيت..رسائل سياسية وعسكرية في لحظة إقليمية حرجة
إن توقيت زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن لا يمكن فصله عن حالة الانسداد السياسي الداخلي في لبنان، كما لا يمكن عزله عن التهديدات الإسرائيلية المتكررة بتوسيع رقعة العمليات العسكرية.
فالولايات المتحدة، التي تعتبر الداعم الأساسي للجيش اللبناني، ترى في هذه المؤسسة الشريك الموثوق والوحيد القادر على ضبط الإيقاع الأمني في حال التوصل إلى أي تسوية سياسية مستقبلية للحدود.
وتأتي الزيارة لتبعث برسالة مفادها أن الاستثمار في الجيش اللبناني هو استثمار في استقرار "لبنان الدولة"، وأن دعم قدراته العسكرية واللوجستية هو ضرورة ملحة لمنع الفوضى.
ويرى مراقبون أن واشنطن تهدف من خلال هذه اللقاءات إلى استكشاف مدى جاهزية الجيش لتسلم مهام أمنية أوسع في الجنوب، في ظل الحديث عن تعديلات أو تعزيزات لتطبيق القرار 1701، بما يضمن وقف الخروقات الإسرائيلية وتأمين المناطق الحدودية.
الخروقات الإسرائيلية في الجنوب.. استنزاف للتهدئة وتحدٍ للقرار 1701
على الميدان، لم تتوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية عن ممارسة سياسة الاستفزاز والخروقات المتكررة للسيادة اللبنانية، سواء عبر القصف المدفعي أو الغارات الجوية أو التسلل التقني عبر المسيرات.
هذه الخروقات ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي جزء من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى فرض واقع أمني جديد وتغيير قواعد الاشتباك المعمول بها منذ عام 2006.
وتضع هذه الاعتداءات الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم، خاصة وأن لبنان الرسمي يصر على التمسك بالشرعية الدولية، بينما تستغل إسرائيل الثغرات الميدانية لتنفيذ ضربات استباقية.
إن استمرار هذا النزيف الميداني يجعل من مهمة قائد الجيش في واشنطن أكثر تعقيداً، حيث يتسلح بالحقوق السيادية اللبنانية للمطالبة بضغط أمريكي حقيقي يلجم التعنت الإسرائيلي ويمنع تحويل الجنوب إلى ساحة محروقة.
المؤسسة العسكرية اللبنانية.. صمام أمان في وجه الانهيار
تظل المؤسسة العسكرية اللبنانية، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة، الجهة الوحيدة التي تحظى بإجماع محلي ودولي، وهو ما يجعل من زيارة العماد عون إلى واشنطن محطة محورية لتأمين ديمومة هذا الصمود.
فالدعم الأمريكي للجيش لا يقتصر على العتاد والسلاح، بل يمتد ليشمل المساعدات المالية المباشرة للعسكريين لضمان بقاء المؤسسة متماسكة في وجه رياح الانقسام السياسي.
وفي واشنطن، يتم البحث في سبل تطوير هذه المساعدات لتشمل تقنيات متطورة تساعد الجيش على مراقبة الحدود وضبط الخروقات بفعالية أكبر.
إن تقوية الجيش في هذا التوقيت بالذات هي رسالة لكل الأطراف الداخلين في الصراع، بأن الدولة اللبنانية، رغم ضعفها السياسي، لا تزال تملك ذراعاً شرعية قادرة على التحرك وحماية السلم الأهلي، وهو ما يشكل حجر الزاوية في أي مفاوضات قادمة لترسيم الحدود البرية أو تثبيتها.
التحركات العسكرية والسياسية..رؤية استراتيجية للمستقبل
إن القراءة المعمقة للتحركات الحالية تشير إلى وجود رغبة دولية، تقودها واشنطن، في تحضير الأرضية لمرحلة "ما بعد الحرب". هذا المسار يتطلب وجود جيش لبناني قوي ومنتشر بكثافة في جنوب الليطاني، مما يقلل من مبررات وجود السلاح غير الشرعي أو الذرائع الإسرائيلية للاعتداء.
التحركات السياسية المرافقة لهذه الزيارة تهدف إلى خلق تقاطع بين الحاجة اللبنانية للأمن والحاجة الدولية للاستقرار الإقليمي. وبناءً عليه، فإن أي نجاح يحققه قائد الجيش في واشنطن سينعكس مباشرة على موازين القوى الداخلية، حيث يعزز من فرص الحلول الوسط ويؤكد أن المؤسسات الرسمية هي القناة الوحيدة للتحدث مع العالم.
لبنان اليوم يستعمل ورقة "الجيش" لإعادة تموضعه على الخارطة السياسية، محاولاً الخروج من عباءة الأزمات ليكون شريكاً في صناعة أمن المنطقة لا ضحية لصراعاتها.
ويظهر المشهد اللبناني اليوم كلوحة معقدة تتداخل فيها طموحات السيادة مع واقع الضغوط الميدانية. إن زيارة قائد الجيش إلى واشنطن ليست مجرد رحلة لطلب الدعم، بل هي فعل سياسي بامتياز يؤكد على هوية لبنان الدولية والتزامه بالشرعية.
وفي المقابل، فإن الخروقات الإسرائيلية تذكر العالم بضرورة وجود حل جذري وعادل ينهي حالة الاستنزاف المستمرة، إن نجاح لبنان في هذه المرحلة يعتمد على مدى قدرة المؤسسة العسكرية على الصمود، ومدى جدية واشنطن في تحويل وعودها إلى ضغوط فعلية تمنع الانفجار الكبير.
يبقى الجنوب اللبناني هو المختبر الحقيقي لكل هذه التحركات، حيث لا قيمة لأي تفاهمات سياسية ما لم تترجم أمناً حقيقياً وسيادة كاملة للجيش اللبناني على كامل ترابه الوطني، بعيداً عن التدخلات الخارجية والاعتداءات المتكررة.










