مجزرة الشيخ رضوان.. كيف يسعى الاحتلال لتقويض المؤسسات المدنية والخدمية في غزة؟
في تطور ميداني خطير يعكس هشاشة الالتزام بالاتفاقيات القائمة، أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة عن تعرض مقر شرطة الشيخ رضوان، الواقع في المنطقة الغربية من مدينة غزة، لغارة جوية إسرائيلية عنيفة صباح اليوم السبت.
هذا الاستهداف المباشر لم يقتصر أثره على تدمير البنية التحتية للمرفق الأمني فحسب، بل امتد ليشمل خسائر بشرية مؤلمة في صفوف الكادر الشرطي والمدنيين المتواجدين في المحيط.
وتأتي هذه الغارة في توقيت حساس للغاية، حيث يسود ترقب دولي وإقليمي لاستقرار الأوضاع، إلا أن الاحتلال اختار المضي قدماً في سياسة التصعيد الميداني التي طالت مؤسسة مدنية تقدم خدماتها الحيوية للسكان، مما يعزز الرواية الفلسطينية بأن الاحتلال لا يعير وزناً للضمانات الدولية أو جهود الوسطاء الرامية لتثبيت وقف إطلاق النار.
مجزرة الشيخ رضوان.. كيف يسعى الاحتلال لتقويض المؤسسات المدنية والخدمية في غزة؟
حصيلة الشهداء والضحايا.. دماء الواجب في مرمى النيران
لم تكن الغارة مجرد استهداف لمبنى حجري، بل كانت هجوماً دموياً أسفر عن ارتقاء كوكبة من خيرة ضباط وعناصر جهاز الشرطة الذين كانوا يؤدون مهامهم الإنسانية والأمنية لخدمة النازحين والمواطنين في ظل الظروف الصعبة.
وقد نعت وزارة الداخلية ببالغ الأسى كلاً من المقدم رامي رياض المبيض، والرائد محمد مصطفى كلوب، والرائد نجود يوسف المدهون، والملازم محمود محمد شنار، والملازم رياض نافذ الدلو.
هؤلاء الشهداء، إلى جانب 15 مصاباً من زملائهم وعدد آخر من المواطنين والنازحين الذين أصيبوا بجراح متفاوتة، يمثلون فاتورة باهظة يدفعها العمل المدني في غزة. إن استهداف ضباط برتب قيادية ميدانية يشير بوضوح إلى نية مبيتة لدى الاحتلال لضرب منظومة السلم الأهلي وإحداث فراغ أمني في المناطق التي تحاول التعافي من آثار الحرب المستمرة، وهو ما وصفته الوزارة بـ"الجريمة النكراء" التي تخالف كافة الأعراف والقوانين الدولية التي تحمي المؤسسات الشرطية المدنية.
الأبعاد السياسية والميدانية للاستهداف المتكرر للمرافق الخدمية
تؤكد وزارة الداخلية في بيانها الرسمي أن هذا القصف ليس معزولاً عن سياق أوسع من الاعتداءات الممنهجة التي طالت مرافق مدنية وخدمية متعددة خلال الأسابيع القليلة الماضية.
إن تكرار هذه الخروقات رغم وجود تفاهمات معلنة لوقف إطلاق النار، يبعث برسالة سياسية مفادها أن الاحتلال يحاول فرض وقائع ميدانية جديدة تعتمد على القوة العسكرية المفرطة لتغيير قواعد الاشتباك وتفكيك القدرات الإدارية في غزة.
يرى المراقبون أن ضرب المقرات الخدمية يهدف بالأساس إلى إدامة سياسة الاستنزاف والضغط على الحاضنة الشعبية، من خلال حرمان السكان من أبسط مقومات الأمن والخدمات اللوجستية التي توفرها أجهزة الوزارة، وهو ما يمثل تحدياً صارخاً للدول الضامنة للاتفاق، وعلى رأسها الوسطاء الإقليميون الذين يبذلون جهوداً مضنية لمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة ومفتوحة لا تحمد عقباها.
رسالة الصمود.. الداخلية تواصل مهامها رغم التدمير
رغم فداحة الخسارة وحجم التدمير الذي طال مقر الشيخ رضوان وغيره من المنشآت، شددت وزارة الداخلية والأمن الوطني على أن هذه الاعتداءات لن تثنيها عن مواجهة التحديات ومواصلة القيام بمسؤولياتها تجاه المواطنين.
وأكدت الوزارة في خطابها الموجه للجمهور وللمجتمع الدولي، أنها ستظل الصمام الأمان لحفظ الجبهة الداخلية وتأمين المساعدات وتنظيم حياة السكان في المناطق المنكوبة.
هذا الإصرار يعكس روح التحدي لدى المؤسسات الحكومية في غزة، التي ترى في بقائها واستمرار عملها شكلاً من أشكال المقاومة المدنية لسياسات الاحتلال الرامية إلى نشر الفوضى. كما أشارت الوزارة إلى أن محاولات تعطيل عمل المؤسسات المدنية عبر الاستهداف المباشر لن تنجح في فك الارتباط بين المؤسسة والمواطن، بل ستزيد من حالة التكاتف الشعبي لمواجهة تداعيات العدوان المستمر بأساليب مختلفة.
المسؤولية الدولية ودور الوسطاء في لجم التغول الإسرائيلي
أمام هذا التصعيد، أطلقت وزارة الداخلية نداءً عاجلاً إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين، بضرورة تحمل مسؤولياتهم التاريخية والقانونية تجاه حماية المدنيين والمنشآت المدنية في قطاع غزة.
وطالبت الوزارة بممارسة ضغوط حقيقية وملموسة على حكومة الاحتلال لوقف تغولها العسكري واعتداءاتها المتكررة التي تهدد بانهيار كامل لكل ما تم إنجازه في مسارات التفاوض السابقة.
إن غياب آليات الرقابة الدولية الفاعلة وعدم وجود نظام للمساءلة عن الخروقات الميدانية شجع الاحتلال على الاستمرار في تنفيذ سياسة "ضرب البنية المدنية" دون خوف من التبعات القانونية أو الدبلوماسية. لذا، يبرز اليوم تساؤل جوهري حول جدوى الاتفاقيات إذا لم تكن قادرة على حماية رجل شرطة يؤدي عمله أو نازح يبحث عن الأمان في محيط مؤسسة خدمية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته.
مشهد دامي.. حصيلة شاملة لضحايا التصعيد في عموم القطاع
لا ينفصل استهداف مقر شرطة الشيخ رضوان عن المشهد الدامي الذي خيم على قطاع غزة طوال يوم السبت، حيث شنت الطائرات والمدفعية الإسرائيلية سلسلة غارات متفرقة طالت مناطق سكنية وخدمية في شمال ووسط وجنوب القطاع.
هذه الهجمات أسفرت في حصيلة أولية عن استشهاد 31 فلسطينيًا، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال الذين سقطوا داخل منازلهم أو في مراكز النزوح.
هذا التصعيد الشامل يعزز اتهامات الفصائل الفلسطينية للاحتلال بتبني إستراتيجية ممنهجة لتقويض التفاهمات عبر القوة الخشنة، مستغلاً الصمت الدولي المنطبق على تفاصيل المعاناة اليومية في غزة. إن تزامن القصف مع وجود تحركات دبلوماسية يشير إلى رغبة إسرائيلية في إفشال أي جهد دولي يرمي إلى وقف الحرب بشكل دائم، مفضلة البقاء في دوامة العنف لتحقيق أهداف سياسية داخلية وميدانية بعيدة المدى.
مستقبل التهدئة في ظل الخروقات المتواصلة
يبقى الوضع في قطاع غزة مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع استمرار هذه الاعتداءات الصارخة، وإن استهداف مقر شرطة الشيخ رضوان هو جرس إنذار أخير بأن تفاهمات وقف إطلاق النار باتت في مهب الريح ما لم يتدخل الوسطاء لفرض واقع جديد يلزم الاحتلال بوقف استهداف المنشآت المدنية والكوادر الخدمية.
إن دماء الشهداء من ضباط الشرطة والمدنيين الذين ارتقوا اليوم تضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية، وتؤكد أن الاستقرار لن يتحقق طالما استمرت سياسة الإفلات من العقاب واستباحة المؤسسات التي تمثل شريان الحياة لما تبقى من نظام مدني في قطاع غزة المنكوب.










