صراع السيادة والإرادات.. الإطار التنسيقي يرفع سقف التحدي ويجدد الثقة في نوري المالكي
في خطوة تعكس ذروة الانقسام السياسي والاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، أعلن تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم في العراق، مساء اليوم السبت، تمسكه المطلق بترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء في الحكومة المقبلة.
وجاء هذا الإعلان في بيان حازم أكد فيه الإطار أن قراراته نابعة من الاستحقاقات الدستورية والانتخابية وبعيدة تماماً عن أي "إملاءات خارجية"، في إشارة واضحة ومباشرة للرفض القاطع لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة.
هذا الموقف يضع العملية السياسية في العراق أمام اختبار هو الأصعب منذ سنوات، حيث تصر القوى الشيعية الأساسية على ممارسة حقها السيادي في اختيار قادتها، معتبرة أن أي تدخل خارجي في تسمية رئيس الوزراء يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية التي نص عليها الدستور العراقي الدائم.
رفض "الإملاءات الخارجية".. رسالة الإطار التنسيقي الحازمة لإدارة ترامب
يمثل تأكيد الإطار التنسيقي على استبعاد "الإملاءات الخارجية" رداً مباشراً على التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" وشاشة "فوكس نيوز"، والتي هدد فيها بقطع الدعم المالي والعسكري عن العراق في حال عودة المالكي للسلطة.
ويرى قادة الإطار أن هذه التهديدات تمثل تدخلاً "سافراً" في شؤون بلادهم الداخلية، مؤكدين أن اختيار رئيس الحكومة هو شأن عراقي خالص يتقرر داخل قبة البرلمان وبالتوافق بين الكتل الفائزة.
وتأتي هذه الصلابة في الموقف لتعبر عن رغبة الإطار في تثبيت قواعد اشتباك سياسية جديدة مع الإدارة الأمريكية، تقوم على الندية والاحترام المتبادل وعدم السماح للبيت الأبيض برسم خارطة الطريق السياسية في بغداد، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة التي تجعل من استقرار العراق ضرورة حيوية للمنطقة بأسرها.
نوري المالكي مرشحاً وحيداً.. مبررات التمسك وحسابات الاستقرار الداخلي
يرتكز تمسك الإطار التنسيقي بترشيح نوري المالكي على رؤية مفادها أن المرحلة الراهنة تتطلب "شخصية قوية" قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتراكمة.
ويرى حلفاء المالكي أن خبرته السابقة في إدارة الدولة وتصديه للأزمات الكبرى تجعل منه الخيار الأنسب لضبط إيقاع العمل الحكومي وحماية مصالح العراق الاستراتيجية.
وعلى الرغم من الانتقادات الأمريكية الحادة لسياساته السابقة، يصر الإطار على أن المالكي يمتلك القاعدة الشعبية والبرلمانية الأكبر، وأن تجاوزه سيعني القفز فوق نتائج الانتخابات التي جرت في نوفمبر الماضي. هذا الإصرار لا يهدف فقط إلى تنصيب المالكي، بل يرمي أيضاً إلى توحيد صفوف القوى المنضوية تحت لواء الإطار، ومنع أي محاولة خارجية لشق صف التحالف الحاكم عبر فرض فيتو على بعض الشخصيات القيادية فيه.
سيناريوهات المواجهة بين "سلاح الدولار" واشتراطات الدستور العراقي
يضع هذا الموقف المتصلب للعراق في مواجهة سيناريوهات معقدة، حيث تمتلك واشنطن أدوات ضغط اقتصادية هائلة تتمثل في السيطرة على عائدات النفط العراقية المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي.
وفي حال استمر الإطار التنسيقي في المضي قدماً بترشيح المالكي وتكليفه رسمياً، فقد تلجأ إدارة ترامب لتنفيذ وعيدها بفرض عقوبات مالية أو تجميد الدعم الأمني، وهو ما قد يؤدي إلى هزة عنيفة في قيمة الدينار العراقي.
في المقابل، يراهن الإطار على قدرة العراق على تنويع تحالفاته الدولية والانفتاح على قوى إقليمية وعالمية أخرى لمواجهة الضغوط الأمريكية. الصراع الحالي يتجاوز اسم المرشح ليصبح معركة حول "من يملك القرار في بغداد"، وهو ما سيحدد شكل العلاقة بين العراق والولايات المتحدة للسنوات الأربع القادمة، وسط ترقب شعبي ودولي لمآلات هذا الانسداد السياسي.
مستقبل العملية السياسية في ظل التمسك بمرشح "دولة القانون"
مع اقتراب موعد حسم انتخاب رئيس الجمهورية الذي سيكلف بدوره مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، يبدو أن الإطار التنسيقي قد حسم أمره بالدخول في مواجهة سياسية مفتوحة لحماية "خيار المالكي".
هذا التوجه يفرض على القوى السياسية الأخرى، السنية والكردية، اتخاذ مواقف حذرة للموازنة بين رغبات الإطار وبين مخاوف المجتمع الدولي وإن نجاح الإطار في تمرير مرشحه سيعتبر انتصاراً لتيار "السيادة الوطنية" الرافض للتدخلات الخارجية، لكنه سيحمل معه تحديات هائلة في كيفية إدارة الملفات العالقة مع واشنطن وضمان استمرارية التعاون الدولي.
ويبقى السؤال القائم، هل ستتراجع واشنطن عن "الفيتو" أمام إصرار القوى العراقية، أم أن بغداد مقبلة على أزمة شاملة قد تعيد رسم التحالفات السياسية في العراق من جديد؟.










