تصعيد دامٍ في رفح: خروقات الاحتلال تنهش اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة
لم يكد يمر نهار الأحد حتى تجددت فصول المأساة في قطاع غزة، حيث واصلت آلة الحرب الإسرائيلية تسجيل خروقاتها الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار، معلنةً عن سقوط شهداء جدد في مناطق متفرقة من القطاع.
يأتي هذا التصعيد في وقت يترقب فيه الشارع الفلسطيني والعالمي استقرار الهدنة المترنحة، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى استراتيجية استهداف ممنهجة تستهدف المدنيين في مناطق كانت تُصنف "آمنة" أو ضمن ممرات النزوح والعودة، مما يضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات ملحة حول جدوى الاتفاقيات في ظل غياب الرقابة الحقيقية على انتهاكات الاحتلال الصارخة.
تصعيد في رفح.. طائرات المسيرة وتصفية الهدوء الهش
في منطقة الشاكوش الواقعة شمال غربي مدينة رفح، سجلت المصادر الطبية ظهر اليوم الأحد ارتقاء الشهيد المسن خالد حماد أحمد دهليز، البالغ من العمر 63 عاماً، جراء استهدافه بشكل مباشر من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية.
هذا الاستهداف لم يكن مجرد حادث عارض، بل هو جزء من نمط عسكري يتبعه جيش الاحتلال في مراقبة وتصفية الحركة في المناطق الحدودية والناشئة، حيث تعمد المسيرات إلى ملاحقة المواطنين الذين يحاولون تفقد ممتلكاتهم أو البحث عن لقمة العيش في تلك المناطق المدمرة.
إن استشهاد "دهليز" يرفع حصيلة الضحايا في رفح خلال ساعات قليلة، ما يعكس إصراراً إسرائيلياً على إبقاء الجبهة الجنوبية في حالة غليان دائمة رغم سريان بنود التهدئة المعلنة منذ أكتوبر الماضي.
مجزرة شارع صلاح الدين.. استهداف النازحين والمارة شمال الوادي
لم يكن الجنوب وحده في مرمى النيران، فقد شهدت ساعات الصباح الباكر جريمة أخرى قرب شارع صلاح الدين الحيوي، وتحديداً في المنطقة الواقعة شمال وادي غزة بوسط القطاع.
هناك، أغارت طائرات الاحتلال الحربية على مجموعة من المواطنين، مما أدى إلى استشهاد المواطن أيمن عوض عبد الرحمن زقوت (48 عاماً) وإصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. يمثل شارع صلاح الدين الشريان الرئيسي للقطاع، واستهدافه يعني شل حركة التنقل وزيادة الضغط النفسي والميداني على السكان الذين يحاولون التحرك بين المحافظات الوسطى والشمالية. هذا النوع من القصف الجوي الغادر يؤكد أن الاحتلال لا يلتزم ببروتوكولات التهدئة التي تمنع استهداف التجمعات المدنية، بل يسعى لفرض واقع أمني يمنع الاستقرار الاجتماعي في تلك المناطق.
حصيلة دامية وخروقات جسيمة.. لغة الأرقام تتحدث
عند النظر إلى الإحصائيات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي، نجد أننا أمام "حرب استنزاف" وليس وقفاً لإطلاق النار بالمعنى القانوني. فخلال يوم السبت فقط، ارتقى 32 فلسطينياً وأصيب العشرات في سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي طال مختلف مناطق القطاع.
وبحسب البيان الرسمي الصادر اليوم، فقد بلغت حصيلة الانتهاكات الإسرائيلية منذ سريان الاتفاق في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي ما يقارب 1450 خرقاً. هذه الخروقات أسفرت عن استشهاد 524 فلسطينياً وإصابة 1360 آخرين خلال 111 يوماً من "الهدنة المفترضة". هذه الأرقام الضخمة تدحض أي ادعاءات إسرائيلية بالالتزام بالتهدئة، وتكشف عن سياسة تهدف إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين بعيداً عن ضجيج العمليات العسكرية الكبرى.
الانتهاكات القانونية وتقويض البروتوكول الإنساني
أوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن ما يقوم به جيش الاحتلال يمثل "خروقات جسيمة ومنهجية" تتجاوز مجرد الحوادث الحدودية، لتصل إلى حد الانتهاك الصريح للقانون الدولي الإنساني.
إن استهداف المدنيين، وقصف المجموعات البشرية، واستخدام المسيرات في الاغتيالات الفردية، كلها أفعال تقوض أسس وقف إطلاق النار وتنسف بنود البروتوكول الإنساني الملحق بالاتفاق.
هذا السلوك الإسرائيلي الممنهج يهدف إلى منع عودة النازحين، وتعطيل جهود الإغاثة، وإبقاء القطاع في حالة من عدم اليقين الأمني، مما يجعل من اتفاق وقف إطلاق النار مجرد غطاء سياسي يستغله الاحتلال لمواصلة عملياته "الجراحية" القاتلة ضد السكان العزل دون رادع دولي حقيقي.
مستقبل الهدنة في ظل التوغل العسكري
إن استمرار سقوط الشهداء في رفح ووسط القطاع، وتصاعد وتيرة الغارات الجوية، ينذر بانهيار كلي للهدنة الهشة التي تم التوصل إليها برعاية إقليمية ودولية.
فالفلسطينيون اليوم لا يواجهون حرباً مفتوحة فحسب، بل يواجهون موتاً "مقطراً" يأتيهم من الجو وعبر القناصة في ظل صمت دولي مريب.
إن المجتمع الدولي، وتحديداً الوسطاء، مطالبون اليوم بالتدخل العاجل لوضع حد لهذه الخروقات التي حولت قطاع غزة إلى ساحة للرماية اليومية، وضمان حماية المدنيين الذين يدفعون ثمن التجاوزات الإسرائيلية من دماء أبنائهم وشيوخهم، كما حدث مع الشهيدين دهليز وزقوت في هذا اليوم الدامي.










