السفر بكرامة.. جهود فلسطينية أردنية مشتركة لتفكيك العقد اللوجستية على المنفذ الوحيد للضفة
لا تزال قضية السفر عبر جسر الملك حسين (الكرامة) تمثل التحدي الأكبر والأكثر إلحاقاً بالمشقة لمواطني الضفة الغربية، باعتباره الرئة الوحيدة التي يتنفسون من خلالها نحو العالم الخارجي في ظل القيود الجيوسياسية المفروضة.
وتتصدر هذه الأزمة واجهة الأحداث المحلية والدبلوماسية، حيث يعيش المسافرون الفلسطينيون فصولاً من المعاناة تبدأ بحجز الدور عبر المنصات الإلكترونية ولا تنتهي بساعات الانتظار الطويلة في القاعات التي تضيق بالأعداد المتزايدة.
وفي هذا السياق، تبرز اليوم مؤشرات إيجابية نحو انفراجة محتملة، تقودها مؤسسات القطاع الخاص الفلسطيني بالتعاون مع الأشقاء في الأردن، في محاولة لترجمة المطالب الشعبية إلى حلول فنية ولوجستية ملموسة تنهي حقبة "التعب المرير" التي ارتبطت بهذا المعبر لسنوات طويلة.
حراك القطاع الخاص.. ضغوط مستمرة من كافة الاتجاهات
في تصريحات هامة تعكس حجم التحرك الميداني، أكد محمد زيد النبالي، نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة رام الله والبيرة، أن مؤسسات القطاع الخاص لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الأزمة الخانقة.
وأشار النبالي اليوم الأحد إلى أن هناك جهوداً كبيرة ومتنامية تُبذل بالتنسيق مع الجهات الحكومية والجانب الأردني، إضافة إلى تدخل وسطاء وشخصيات وطنية فاعلة، بهدف الوصول إلى صيغة تفاهم عملية تلبي احتياجات المسافرين والعائدين.
إن دخول القطاع الخاص كلاعب رئيسي في هذه المفاوضات يعكس الرؤية الوطنية بضرورة تكاتف كافة القوى للضغط من أجل تحسين ظروف المعيشة والتنقل، حيث يمارس القطاع الخاص ضغوطاً من مختلف الزوايا لتفكيك هذه المعضلة التي استنزفت طاقات الفلسطينيين وأرهقت كواهلهم مادياً ومعنوياً.
ملامح الانفراجة.. زيادة ساعات العمل وإعادة تنظيم المنصة
كشف النبالي عن طبيعة الحلول المطروحة على طاولة المفاوضات، والتي تتمحور حول نقطتين جوهريتين؛ الأولى هي السعي لزيادة ساعات العمل على الجسر لتتناسب مع ذروة السفر في المواسم المختلفة، والثانية هي إعادة هندسة الإجراءات التنظيمية في الجانب الأردني.
وتشمل هذه التفاهمات تحسين آلية الاستقبال عبر المنصة الإلكترونية وتطوير قاعات الانتظار، بما يضمن استيعاب الحشود المتزايدة دون وقوع حالات تكدس أو فوضى.
إن الهدف من إعادة تنظيم المنصة هو خلق تدفق انسيابي للمسافرين يمنع تراكم الأعداد في ساعات محددة، مما يقلل من الضغط النفسي والجسدي على الأطفال وكبار السن، ويجعل من عملية الانتقال بين ضفتي النهر رحلة منظمة بدلاً من كونها "معركة" من أجل العبور.
الاهتمام الأردني.. نحو خطة تنظيمية شاملة وكفؤة
من الجانب الآخر، أظهرت المباحثات الجارية اهتماماً أردنياً رسمياً وعالياً بوضع خطة تنظيمية شاملة تضمن سير حركة السفر بكفاءة عالية تليق بكرامة المسافر الفلسطيني.
ويأتي هذا التوجه الأردني في إطار العلاقات التاريخية والحرص على تسهيل حياة الفلسطينيين، حيث تهدف الخطة المقترحة إلى تحديث المرافق وتوسيع القدرة الاستيعابية للمعبر.
إن التعاون الأردني الفلسطيني في هذا الملف يتجاوز الترتيبات الإدارية التقليدية؛ فهو يمس صلب "بروتوكولات الكرامة" التي تسعى الجهات الوطنية لترسيخها، بحيث يصبح السفر حقاً ميسراً دون مشقة غير مبررة، مع ضمان توفير الخدمات اللوجستية التي تليق بحجم الأعداد التي تعبر هذا الشريان الحيوي يومياً.
التحديات اللوجستية ودور الوسطاء في تذليل العقبات
رغم التفاؤل الذي أبداه النبالي بقرابة التوصل إلى إنجاز يتم الإعلان عن تفاصيله قريباً، إلا أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود، حيث اصطدمت الجهود مراراً بعوائق لوجستية وسياسية يفرضها الاحتلال تحت مسميات أمنية واهية.
وهنا يبرز دور الشخصيات الوطنية والوسطاء الذين يعملون في الكواليس لتقريب وجهات النظر وضمان عدم عرقلة أي تحسينات جديدة. إن المعبر الذي تطلق عليه سلطات الاحتلال جسر "اللنبي" يظل نقطة تماس حساسة، إلا أن الإصرار الفلسطيني على انتزاع تسهيلات حقيقية يبرهن على أن الإرادة الشعبية المسنودة بدعم المؤسسات الاقتصادية والحكومية قادرة على فرض واقع جديد يخفف من وطأة الحصار غير المباشر المفروض على حرية الحركة والتنقل.
حلم السفر بكرامة في انتظار الإعلان الرسمي
يبقى الأمل معقوداً على ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من قرارات حاسمة تنهي أزمة جسر الكرامة بشكل جذري. إن الفلسطينيين، الذين عانوا الأمرين في سبيل الوصول إلى الخارج، ينتظرون ترجمة الوعود إلى واقع يلمسونه في قاعات الانتظار وعلى حواجز التفتيش.
وكما أكد محمد زيد النبالي، فإن الهدف الأسمى هو "تمكين الفلسطيني من السفر بكرامة"، وهو حق أساسي لا يجب أن يخضع للتفاوض أو المماطلة.
إن نجاح هذه الجهود المشتركة سيمثل انتصاراً للإرادة الوطنية وتجسيداً للتكامل بين القطاعين العام والخاص في خدمة المواطن، في انتظار اللحظة التي يُعلن فيها رسمياً عن انتهاء حقبة "أزمة الجسر" وإطلاق نظام سفر عصري يحترم آدمية المسافر ويقدس حقه في التنقل بحرية وسلام.








