أعادت الدفعة الجديدة من وثائق جيفري إبستين، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية في 30 يناير 2026، فتح واحد من أكثر الملفات إحراجًا للنخب السياسية الغربية. فالكشف عن أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من المراسلات والملاحظات والرسائل، أظهر حجم الشبكات الرمادية التي كان يتحرك داخلها إبستين، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في قلب العواصم الأوروبية.
ضمن هذه الوثائق، برز اسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل لافت، مع الإشارة إلى طلبه استشارات متكررة من إبستين، قبل توليه الرئاسة في 2017 وبعدها. ورغم عدم وجود أي دليل على تورط ماكرون في الجرائم الجنسية التي ارتبط اسم إبستين بها، فإن طبيعة العلاقة الاستشارية نفسها فجّرت عاصفة سياسية وإعلامية.
خطورة هذه الوثائق لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضًا، إذ تأتي في مرحلة تشهد فيها فرنسا تآكلًا متزايدًا في الثقة الشعبية بالمؤسسات، وتراجعًا حادًا في صورة النخبة الحاكمة، ما يجعل أي شبهة أخلاقية عامل تفجير سياسي مؤجل.
ماكرون وإبستين وشبكات النفوذ
تكشف الوثائق أن العلاقة بين ماكرون وإبستين بدأت عام 2016، حين كان ماكرون وزيرًا للاقتصاد في حكومة فرانسوا هولاند، أي في مرحلة كان يسعى فيها لبناء شبكة علاقات عابرة للمؤسسات التقليدية. مراسلات تلك الفترة تشير إلى لقاءات غير رسمية، ووساطات قام بها إبستين لربط ماكرون برجال أعمال ومراكز نفوذ دولية.
بعد وصول ماكرون إلى الرئاسة، تكثفت الإشارات إلى دور إبستين كمستشار غير رسمي في قضايا تتعلق بإعادة هيكلة الحوكمة الدولية، والنماذج الاقتصادية “التقدمية”، بل وحتى الطموحات القيادية الأوروبية. إحدى الرسائل المنسوبة لإبستين تفيد بأن ماكرون “يطلب رأيه في كل شيء تقريبًا”، وهي عبارة كافية لإشعال الشكوك، حتى لو كانت مبالغًا فيها.
سياسيًا، تعيد هذه المعطيات طرح سؤال قديم جديد حول طبيعة النخبة “الماكرونية”: هل هي مشروع تحديث مؤسسي شفاف، أم إعادة تدوير لنخب عابرة للحدود تعتمد على قنوات خلفية ومستشارين خارج الأطر الرسمية، وهو ما يتناقض مع الخطاب الجمهوري الفرنسي التقليدي؟
ارتدادات داخلية فرنسية
داخليًا، تمثل هذه الوثائق ضربة مباشرة لصورة ماكرون كرئيس “نظيف اليدين”، جاء من خارج المنظومة التقليدية ليكسر أنماط الحكم القديمة. فحتى من دون اتهامات قانونية، فإن الارتباط الرمزي باسم مثل إبستين يضرب جوهر السردية التي بنى بها ماكرون شرعيته السياسية.
قوى المعارضة، من اليمين المتطرف إلى اليسار الراديكالي، وجدت في القضية مادة مثالية للهجوم. مارين لوبان قدّمتها بوصفها دليلًا على “تعفن النخبة”، بينما اعتبر جان لوك ميلانشون أن القضية تكشف عن “اختطاف القرار السياسي من قبل شبكات مصالح عالمية لا تخضع للمساءلة”.
الأخطر أن القضية تأتي في سياق اجتماعي متوتر أصلًا: احتجاجات متكررة، أزمة ثقة عميقة، وغضب شعبي من الإصلاحات الاقتصادية. في هذا المناخ، قد تتحول القضية من فضيحة أخلاقية عابرة إلى عامل تعبئة سياسي واسع، يعمّق الاستقطاب ويقوّض ما تبقى من شرعية السلطة التنفيذية.
الإعلام الفرنسي المأزوم
أحد أكثر أبعاد القضية إثارة للجدل هو التباين الصارخ بين التغطية الإعلامية الدولية والفرنسية. ففي حين تصدرت القصة عناوين وسائل إعلام أجنبية، بدت وسائل الإعلام الفرنسية الكبرى حذرة، بل مترددة، في الخوض بتفاصيل العلاقة بين ماكرون وإبستين.
هذا الصمت النسبي غذّى سرديات “التواطؤ الإعلامي” و”الأوميرتا السياسية”، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت اتهامات للإعلام بحماية السلطة بدل مساءلتها. صحفيون مستقلون ومنصات تحقيقية مثل “ميديابارت” أعادوا التذكير بسجل إبستين في فرنسا، لكنهم واجهوا ضغوطًا قانونية وسياسية واضحة.
إعلاميًا، لا تقتصر المشكلة على قضية بعينها، بل تمتد إلى أزمة ثقة بنيوية بين الجمهور ووسائل الإعلام. فكلما بدا أن الصحافة تتجنب الملفات الحساسة المرتبطة بالسلطة، تعززت البدائل غير المهنية، وازدادت خطورة الانزلاق نحو الشعبوية والمعلومات المضللة.
تداعيات أوروبية أوسع
على المستوى الأوروبي، تضعف هذه القضية موقع ماكرون كأحد أبرز قادة الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في لحظة تتطلب قيادة أخلاقية قوية في مواجهة الحروب والأزمات الاقتصادية وصعود اليمين المتطرف. ففرنسا، التي طالما قدّمت نفسها كحاملة لقيم الديمقراطية والشفافية، تجد نفسها في موقف دفاعي أخلاقي.
مراكز بحث أوروبية، مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تحذر من أن تآكل صورة ماكرون يفتح المجال أمام اختلال توازن القيادة داخل الاتحاد، مع احتمال صعود أدوار ألمانية أو شرق أوروبية أكثر تشككًا في النخب الليبرالية. كما يمنح ذلك ذخيرة سياسية للحكومات الشعبوية التي تبني خطابها على مهاجمة “نخب بروكسل وباريس”.
الأثر الأعمق يتمثل في تراجع “القوة الناعمة” الأوروبية. فحين ترتبط قيادة دولة مركزية بفضيحة ذات طابع أخلاقي عالمي، تصبح قدرة أوروبا على الترويج لقيم حقوق الإنسان والمساءلة موضع تساؤل، خصوصًا في الجنوب العالمي.
مأزق القيادة والشرعية
لا تُدين وثائق إبستين إيمانويل ماكرون قانونيًا، لكنها تضعه في مأزق سياسي وأخلاقي بالغ الحساسية. فالمشكلة لم تعد في ما إذا كان الرئيس الفرنسي قد ارتكب مخالفة، بل في صورة القيادة، ومعايير الحكم، وحدود المقبول في علاقات النخب.
استمرار الصمت الرسمي من قصر الإليزيه قد يفاقم الضرر بدل احتوائه، لأن إدارة الأزمات الأخلاقية في عصر الشفافية لا تقوم على الإنكار، بل على المبادرة والمساءلة. أي تأخير في تقديم رواية واضحة ومقنعة سيُفسَّر على أنه إقرار ضمني بوجود ما يُخفى.
بهذا المعنى، لا تمثل وثائق إبستين مجرد فضيحة عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي الفرنسي، والإعلام الفرنسي، على الدفاع عن شرعية القيادة في زمن لم يعد يتسامح مع الظلال، ولا يقبل بفصل السياسة عن الأخلاق.





