وزيرة الخارجية البريطانية: فتح معبر رفح خطوة منقوصة ويجب تدفق المساعدات فوراً
في ظل مشهد إنساني يدمي القلوب، ومع استمرار تداعيات حرب الإبادة الجماعية التي عصفت بقطاع غزة على مدار عامين، برزت اليوم الاثنين بارقة أمل مشوبة بالحذر مع البدء التجريبي لتشغيل معبر رفح في كلا الاتجاهين.
هذه الخطوة، التي تأتي بعد أكثر من عام ونصف من الإغلاق الإسرائيلي الشامل للجانب الفلسطيني، قوبلت بترحيب دولي حذر، تصدرته وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، التي أكدت أن إعادة فتح المعبر تمثل خطوة ضرورية ولكنها غير كافية، مشددة على ضرورة تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود لإنقاذ نحو 2.4 مليون فلسطيني يعيشون أوضاعاً كارثية.
وبينما وصلت الدفعة الأولى من العائدين إلى المعبر قادمين من الأراضي المصرية، لا تزال فاتورة الدماء والدمار تتصاعد جراء الخروقات الإسرائيلية المستمرة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لتحويل هذا التشغيل التجريبي إلى ممر دائم ومنتظم للحياة والكرامة الإنسانية.
الموقف البريطاني
رحبت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، اليوم الاثنين، بإعادة فتح معبر رفح، معتبرة إياها خطوة هامة لتمكين الناس من العبور في كلا الاتجاهين وتسهيل حركة العالقين.
ومع ذلك، لم تخلُ تصريحات كوبر من نبرة الضغط السياسي، حيث أشارت بوضوح إلى أن "هناك الكثير مما يجب القيام به" لإنهاء المعاناة الإنسانية في غزة.
وشددت الوزيرة البريطانية على أن الموقف يتطلب تدفقاً كثيفاً وغير مشروط للمساعدات الإغاثية والطبية، وتخفيف القيود التعجيزية التي يفرضها الاحتلال على الإمدادات الأساسية.
تعكس هذه التصريحات قلقاً دولياً متزايداً من انفجار الأوضاع المعيشية في القطاع، حيث ترى لندن أن فتح المعبر يجب ألا يكون مجرد خطوة رمزية، بل بداية لمسار إنساني مستدام ينهي سياسة "التجويع الممنهج" التي طالت المدنيين العزل.
التشغيل التجريبي
ميدانياً، رصدت قناة "القاهرة الإخبارية" وصول الدفعة الأولى من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى معبر رفح، في مشهد يجسد لوعة الفراق والتمسك بالأرض رغم الدمار.
ووفقاً لتقارير إعلامية، من المتوقع دخول نحو 50 فلسطينياً إلى غزة، مقابل مغادرة 150 من المرضى ومرافقيهم لتلقي العلاج الضروري في المستشفيات المصرية. إلا أن هذه الأرقام تظل ضئيلة جداً أمام حجم الكارثة؛ إذ تشير التقديرات الرسمية في غزة إلى وجود أكثر من 22 ألف مريض وجريح ينتظرون إعادة فتح المعبر بشكل كامل لإنقاذ حياتهم.
إن سياسة "التقطير" التي ينتهجها الاحتلال في إدارة المعبر تزيد من حالة "الاغتراب الإنساني"، حيث يتم التحكم في مصير آلاف الأرواح عبر بوابات تفتح وتغلق وفقاً لمزاجية المحتل، بعيداً عن الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع المنكوب.
تداعيات عامين من الإبادة
يأتي فتح المعبر في وقت لا تزال فيه غزة تلملم جراحها بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في أكتوبر 2023. وقد خلفت هذه الحرب، المدعومة عسكرياً وسياسياً من أطراف دولية، نحو 72 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء الذين سحقتهم آلة الحرب الإسرائيلية.
ولم يقتصر الدمار على البشر، بل طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع، بما في ذلك المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.
ومنذ احتلال الجانب الفلسطيني من معبر رفح في مايو 2024، تفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق، حيث تحول القطاع إلى "سجن مفتوح" يفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما جعل من إعادة فتح المعبر اليوم مطلباً وجودياً يتجاوز مجرد كونه إجراءً حدودياً روتينياً.
خروقات الاحتلال المستمرة
رغم التفاهمات التي أدت إلى التشغيل التجريبي للمعبر، إلا أن دولة الاحتلال تواصل خرق الاتفاقات بشكل يومي، وهو ما أدى إلى استشهاد 523 فلسطينياً منذ وقف إطلاق النار الأخير.
إن هذا السلوك يعكس "عقلية الاستبداد" التي يمارسها الكيان الغاصب، حيث يستخدم القوة العسكرية لتقويض أي محاولة للاستقرار أو إدخال المساعدات بالكميات المتفق عليها.
يعيش 2.4 مليون فلسطيني اليوم تحت وطأة تهديد مزدوج؛ خطر القصف المباغت وخطر الموت جوعاً أو مرضاً بسبب منع الإمدادات الأساسية. إن استمرار الاحتلال في التلاعب بملف معبر رفح واستخدامه كورقة ضغط سياسي يثبت للعالم أن الأزمة في غزة ليست لوجستية، بل هي "مؤامرة مدبرة" تهدف لإضعاف صمود الشعب الفلسطيني وإجباره على التنازل عن حقوقه الوطنية المشروعة.
معبر رفح.. بوابة الحياة التي تنتظر قراراً دولياً حاسماً
يظل فتح معبر رفح "بشكل تجريبي" خطوة تحت المجهر، تنتظر تحولها إلى واقع دائم يضمن حرية الحركة للأفراد والبضائع دون تدخل من الاحتلال.
إن ترحيب إيفيت كوبر والمواقف الدولية المشابهة يجب أن تترجم إلى ضغوط فعلية على الأرض لضمان حماية المدنيين وتدفق الإغاثة.
يذكر أن غزة اليوم لا تحتاج لفتات من المساعدات أو وعوداً دبلوماسية، بل تحتاج لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار الشامل ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الإبادة.
سيبقى معبر رفح هو الرئة الوحيدة التي يتنفس منها القطاع، وستظل عيون الفلسطينيين شاخصة نحو هذه البوابة، بانتظار اليوم الذي تفتح فيه بكرامة كاملة وسيادة وطنية، بعيداً عن قيود "الكواد كابتر" وزوارق الاحتلال التي لا تزال تطارد أحلامهم في الحرية والحياة.










