محمد أبو سيف لـ 180 تحقيقات: إغلاق مضيق هرمز ورقة انتحارية استراتيجياً وقابلة للتنفيذ تكتيكياً
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل الحسابات العسكرية بالاقتصادية، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد بوصفه أخطر أوراق الضغط في الصراع الأمريكي–الإيراني.
الباحث السياسي العراقي محمد أبو سيف يقدّم قراءة معمّقة لجدلية التهديد الإيراني بإغلاق المضيق، ويفكك الفارق بين قابليته للتنفيذ التكتيكي وكلفته الانتحارية استراتيجياً.
في هذا الحديث الخاص مع 180 تحقيقات، يتناول أبو سيف تداعيات أي تعطيل محتمل على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وحدود المناورة الإيرانية، ولماذا يبدو الهدوء الحالي في المنطقة هادئاً في الظاهر… لكنه هش في العمق.
أكد الباحث السياسي العراقي محمد أبو سيف، لموقع "180 تحقيقات"، أن التلويح بإغلاق مضيق هرمز يمثل ورقة ضغط تفاوضية من الطراز الأول في يد النظام الإيراني، إلا أنه حذر من أن تحويل هذا التهديد إلى فعل شامل ومستدام سيُعد بمثابة إعلان حرب اقتصادية عالمية تتجاوز في آثارها المواجهة الثنائية مع الولايات المتحدة لتصطدم بمصالح القوى الكبرى كافة.
وأوضح أبو سيف أن طهران تمتلك القدرة الفنية على تعطيل الملاحة مؤقتاً عبر تكتيكات "الإنكار البحري" التي تشمل نشر الألغام البحرية واستخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيرة، وهو ما يكفي لإحداث صدمة عنيفة في الأسواق العالمية ورفع تكاليف التأمين البحري دون الانزلاق الفوري إلى أتون حرب شاملة قد لا يتحمل أي طرف كلفتها الباهظة في الوقت الراهن.
ويرى أبو سيف أن التداعيات الاقتصادية لأي تعطيل في هذا الشريان الحيوي، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ستكون كارثية وفورية، حيث من المتوقع أن تقفز أسعار النفط بمعدلات تتراوح بين 10 إلى 30 دولاراً للبرميل خلال أيام معدودة هذا الاضطراب لن يتوقف عند حدود أسعار الطاقة، بل سيمتد ليضرب سلاسل الإمداد العالمية في قطاعات البتروكيماويات والأسمدة، مما يخلق ضغوطاً تضخمية جديدة تنهك الاقتصادات الآسيوية والأوروبية على حد سواء.
وشدد الباحث العراقي على أن العالم سيتعامل مع أي مساس بأمن الملاحة كتهديد للنظام التجاري العالمي، مما قد يستدعي عسكرة إضافية للخليج وزيادة الاحتكاك البحري المباشر مع قوى دولية كبرى مثل بريطانيا والهند.
هادئ ولكنه هش.. تفسير التراجعات الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية
وفي تحليله للواقع الاقتصادي الحالي، أشار محمد أبو سيف إلى أن تراجع أسعار النفط بنسبة 4% في الآونة الأخيرة لا يعبر عن ثقة راسخة في استقرار المنطقة، بل هو نتاج رهان الأسواق على عقلانية الأطراف الفاعلة وقناعتها بأن التصريحات المتشنجة ليست سوى جزء من "لعبة التفاوض" الكبرى فمن جهة، تدرك الأسواق أن إيران لا ترغب في حرب انتحارية تنهي وجود النظام، ومن جهة أخرى، تعلم أن واشنطن ترفض تماماً حدوث صدمة في أسعار الطاقة في سنة اقتصادية حساسة. ومع ذلك، حذر أبو سيف من أن هذا الهدوء هو "هدوء هش"، حيث إن الأسواق سريعة التقلب، وأي حادث بحري صغير أو خطأ في الحسابات الميدانية قد يعكس الاتجاه فوراً نحو التصعيد الانفجاري.
وتطرق أبو سيف إلى "العقدة الأساسية" في المشهد، وهي التباين الصارخ في الأهداف بين الحلفاء؛ فبينما تسعى واشنطن جاهدة لاحتواء الطموحات الإيرانية عبر القنوات الدبلوماسية والضغط المنضبط، تصر إسرائيل على كسر القوة الإيرانية واستهداف برنامجها النووي بشكل مباشر أو عبر "ضربات الظل" في ساحات وسيطة مثل سوريا ولبنان، هذا التضارب يجعل التهدئة الأمريكية الإيرانية محدودة السقف ومهددة بالانهيار في أي لحظة، خاصة إذا قررت تل أبيب القيام بعمل أحادي واسع النطاق يفرض على طهران رداً لا يمكن استيعابه ضمن قواعد الاشتباك الحالية، مما ينسف أي تفاهمات ضمنية بين واشنطن وطهران.
إدارة الأزمة أم الحل الشامل؟ سيناريوهات المستقبل القاتم
وبناءً على المعطيات الراهنة، لخص الباحث محمد أبو سيف المشهد بأنه "إدارة للأزمة" وليس بحثاً عن حلول جذرية، نظراً لانعدام الثقة المتبادل وتعقد الحسابات الداخلية في كل من واشنطن وطهران، فضلاً عن الرفض الإسرائيلي القاطع لأي اتفاق يمنح إيران "وقتاً نووياً" إضافياً.
ويرى أبو سيف أن التسوية الشاملة تتطلب ضمانات نووية صارمة ورفعاً حقيقياً للعقوبات وتفاهماً إقليمياً واسعاً، وهي شروط غير ناضجة في الوقت الحالي. لذا، فإن أمن الممرات البحرية سيبقى رهينة للإشارات السياسية المتقلبة، ولن تعود "الطمأنينة البحرية" الكاملة إلى مياه الخليج وبحر العرب دون اتفاق مكتوب وملزم يضمن مصالح الجميع.
وفيما يخص التوقعات للأشهر المقبلة، وضع أبو سيف ثلاثة سيناريوهات محتملة مرتبة حسب أرجحيتها؛ أولها "التصعيد المحسوب" الذي يشمل ضربات محدودة ورسائل قاسية دون الانزلاق لحرب شاملة، وثانيها "الاتفاق المرحلي غير المعلن" الذي يعتمد على ضبط سلوك الوكلاء مقابل تخفيف محدود للعقوبات، أما السيناريو الثالث والأقل احتمالاً فهو الوصول إلى "حافة الهاوية" نتيجة حادث دموي كبير أو قرار إسرائيلي مفاجئ.
وختم أبو سيف رؤيته الاستراتيجية بالتأكيد على أن المنطقة تعيش حالياً تحت رحمة "توازن ردع هش تديره الأعصاب لا القوانين"، حيث لا حرب لأن كلفتها انتحارية، ولا سلام لأن شروطه لا تزال بعيدة المنال.









