تدخل الدولة السورية مرحلة مفصلية في تاريخها المعاصر، حيث يتزامن اليوم الثالث من تنفيذ "الاتفاق الشامل" مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال والشرق، مع تصاعد الخطط العدوانية الإسرائيلية في الجنوب.
هذا التقاطع الميداني يفرض واقعاً جديداً يتطلب قراءة دقيقة لمسارات التهدئة والتوتر؛ فبينما تبسط قوى الأمن الداخلي السورية سيطرتها على مراكز حيوية في الحسكة والقامشلي وعين العرب، تواصل الآليات العسكرية الإسرائيلية توغلاتها في مناطق جنوب البلاد تحت ذريعة تأمين الحدود.
إن هذا المشهد المركب يعكس رغبة دمشق في "تبريد" الجبهات الداخلية وترميم التصدعات السياسية مع المكون الكردي، لتتفرغ لمواجهة التحديات السيادية الكبرى التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة لمنع تحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة جديدة تقوض وحدة الأراضي السورية.
اليوم الثالث للاتفاق الشامل.. عودة مؤسسات الدولة إلى الحسكة والقامشلي
مع بزوغ فجر اليوم الثالث لتنفيذ "الاتفاق الشامل" المبرم بين الحكومة السورية وقيادات "قسد"، شهدت مدن الحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني) تحركات أمنية مكثفة تعكس جدية الأطراف في إنهاء حالة التشتت الإداري.
وقد انتشرت وحدات قوى الأمن الداخلي السورية في المربعات الأمنية والمؤسسات الحيوية والمعابر، وسط ترحيب شعبي يتطلع إلى استعادة الخدمات الأساسية وتوحيد المرجعية القانونية.
إن هذا الانتشار لا يعد مجرد إجراء أمني، بل هو خطوة سياسية عميقة تهدف إلى سحب الذرائع من القوى الدولية التي تراهن على تقسيم سوريا، حيث بدأت المؤسسات الخدمية والتعليمية في العودة للعمل وفق الأنظمة المركزية، مما يمهد الطريق لدمج أوسع للمكونات المحلية ضمن هيكلية الدولة، وهو ما يضع حداً لسنوات من "الإدارة الذاتية" التي فرضتها ظروف الحرب القاسية.
التوغل الإسرائيلي في الجنوب..محاولات لفرض واقع جغرافي جديد
في المقابل، وبالتزامن مع هذه الانفراجة الشمالية، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات التوغل الميداني في مناطق ريف القنيطرة وجنوب البلاد، متجاوزة خطوط وقف إطلاق النار المعتمدة.
وتأتي هذه التوغلات المستمرة في إطار استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إنشاء "حزام أمني" يمنع أي تموضع عسكري للقوى الحليفة لدمشق بالقرب من الجولان المحتل.
إن التقارير الواردة من الميدان تشير إلى قيام الجرافات الإسرائيلية بشق طرق عسكرية وبناء تحصينات داخل الأراضي السورية، وهو اعتداء صارخ على السيادة الوطنية يستهدف استغلال انشغال الدولة السورية بملفات إعادة الإعمار والاتفاقيات الداخلية. هذه الضغوط الخارجية تهدف بوضوح إلى إبقاء الدولة السورية في حالة استنزاف دائم، ومنعها من استثمار نجاحات المصالحة الوطنية في تقوية مركزها الدفاعي على الجبهة الجنوبية.
تقاطع الاتفاق الداخلي مع الضغوط الخارجية.. استراتيجية "تمتين الجبهة"
إن قراءة التقاطع بين "الاتفاق الشامل" شمالاً والضغط الإسرائيلي جنوباً توضح أن الدولة السورية تسابق الزمن لغلق الثغرات الداخلية. فالاتفاق مع "قسد" في الحسكة والقامشلي وعين العرب يهدف إلى تحييد جبهة واسعة واستعادة موارد النفط والزراعة التي تتركز في تلك المناطق، مما يعزز القدرة الاقتصادية لدمشق في مواجهة العقوبات الدولية والضغوط الميدانية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن نجاح الاتفاق مع المكون الكردي يمثل ضربة موجعة للمخطط الإسرائيلي الذي كان يعول على استمرار النزاع الداخلي "عربياً-كردياً" لإبقاء سوريا ممزقة.
لذا، فإن التوغل الإسرائيلي الأخير قد يكون رد فعل يائس لمحاولة عرقلة مسار التعافي السوري ومنع دمشق من توجيه كامل طاقتها العسكرية والسياسية نحو حماية حدودها الجنوبية.
سيناريوهات المرحلة القادمة
أمام هذه المعطيات، تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل المنطقة؛ الأول يتمثل في نجاح دمشق في تحويل "الاتفاق الشامل" إلى تحالف استراتيجي دائم مع القوى المحلية في الشمال، مما يسمح لها بنشر تعزيزات عسكرية نوعية في مواجهة التوغل الإسرائيلي، مما قد يفرض قواعد اشتباك جديدة تجبر الاحتلال على التراجع.
أما السيناريو الثاني، فهو لجوء إسرائيل لتصعيد غاراتها الجوية واختراقاتها البرية لإفشال أي محاولة لاستقرار المنطقة الشمالية الشرقية، عبر تحريض أطراف دولية أو محلية على خرق الاتفاق.
ومع ذلك، فإن الإصرار السوري على تنفيذ بنود الاتفاق في الحسكة والقامشلي يبعث برسالة قوية بأن الدولة السورية استعادت زمام المبادرة، وأن السيادة الوطنية لم تعد مجرد شعار، بل ممارسة ميدانية تمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
سوريا نحو استعادة التوازن الاستراتيجي
يظهر بوضوح أن سوريا تخوض معركة مزدوجة: معركة البناء والمصالحة في الشمال، ومعركة الصمود والسيادة في الجنوب، إن اليوم الثالث من تنفيذ الاتفاق مع "قسد" يثبت أن الحوار الداخلي هو الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد من التفتيت، بينما يذكرنا التوغل الإسرائيلي بأن العدو الخارجي لن يتوقف عن محاولات النيل من وحدة البلاد.
إن نجاح دمشق في الربط بين هذه المسارات سيعيد لوزنها الإقليمي هيبته، ويجعل من عام 2026 عام استعادة الأرض والقرار المستقل، رغم كل التحديات والضغوط العسكرية التي تحيط بها من كل جانب، لتبقى سوريا عصية على التقسيم وجاهزة دائماً للدفاع عن ترابها من الحسكة وعين العرب وصولاً إلى القنيطرة والجولان.










