سائد حسونة لـ "180 تحقيقات": حرب غزة أحدثت "شرخاً بنيوياً" في التعاون التقني بين إسبانيا وإسرائيل
أكد سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، في حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، أن تداعيات حرب غزة تجاوزت الأطر العسكرية والسياسية لتحدث ما يمكن وصفه بـ "الشرخ البنيوي الهادئ" في منظومة التعاون التكنولوجي بين الشركات الإسبانية ونظيراتها الإسرائيلية.
وأوضح حسونة أن هذا التأثير لا يتجلى بالضرورة في قطيعة رسمية أو بيانات إلغاء فورية، بل يظهر بوضوح في انهيار مستوى الثقة المتبادلة وتباطؤ وتيرة المبادرات المشتركة التي كانت تميز قطاع التقنية المتقدمة بين البلدين.
إن الحرب، وفقاً لتحليل حسونة، قد كسرت القاعدة التقليدية التي كانت تتبناها الشركات الإسبانية والقائمة على "الفصل بين السياسة والتكنولوجيا"، مما جعل أي تعاون تقني في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يخضع لمجهر التقييم الأخلاقي والسمعة الدولية، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة لاستخدام التكنولوجيا لأغراض عسكرية ورقابية في سياق نزاع إنساني حاد.
انهيار "منطقة الراحة".. كيف تحول الابتكار إلى عبء أخلاقي؟
يرى الخبير سائد حسونة أن الأثر الأعمق للحرب لم يكن في إلغاء العقود القائمة فحسب، بل في تجميد "مستقبل الابتكار"؛ حيث تراجعت الحماسة للبحث المشترك وتم تأجيل برامج الابتكار المفتوح التي تحتاج بطبيعتها إلى بيئة من الاستقرار الأخلاقي والقيمي.
ويشير حسونة إلى أن الشركات الإسبانية، لاسيما الناشئة والمتوسطة، باتت تدرك أن التكنولوجيا لم تعد ملفاً تقنياً صرفاً، بل أصبحت مرتبطة بسياق استخدامها القسري أو العسكري هذا الارتباط خلق عبئاً إعلامياً وأخلاقياً على العلامات التجارية الإسبانية التي تسعى لتقديم نفسها ككيانات مسؤولة أمام المجتمع الدولي وبناءً على ذلك، يصف حسونة الحالة الراهنة للتعاون بأنها أصبحت "أكثر صمتاً وبرودة"، حيث يسود الحذر بدلاً من الاندفاع، وتُطرح أسئلة حول الاستخدام النهائي للتقنيات المنتجة لم تكن تُطرح في السابق.
تحولات المستثمر الإسباني.. من "النمو السريع" إلى "التحوّط والانتظار"
على صعيد الاستثمارات، يحلل سائد حسونة سلوك المستثمر الإسباني الذي لم يعد يتحرك وفق مؤشرات الربحية وحدها، بل أصبح يضع "المخاطر السياسية وضغط الرأي العام" كمتغيرات أساسية في معادلته الاستثمارية، ويؤكد حسونة أننا لم نشهد انسحاباً جماعياً، بل شهدنا انتقالاً لافتاً من منطق المغامرة في السوق التقنية الإسرائيلية إلى منطق "الانتظار والتحوّط". بعض صناديق الاستثمار الإسبانية أبطأت قراراتها، بينما أعاد بعضها الآخر توجيه رؤوس الأموال نحو أسواق بديلة أقل حساسية سياسية. ويشدد حسونة على أن قطاعات بعينها مثل "تقنيات المراقبة وتحليل البيانات السلوكية" أصبحت تُصنف كاستثمارات عالية المخاطر، ليس لنقص في جودتها التقنية، بل لاحتمالية تحولها إلى أزمة إعلامية تضرب سمعة الصناديق المستثمرة في أي لحظة.
السياسة الحكومية الإسبانية.. تشديد الرقابة وتغيير نبرة التعامل
فيما يخص الدور الرسمي، يرى سائد حسونة أن الحكومة الإسبانية، رغم عدم إعلانها قطيعة شاملة، إلا أنها غيرت "نبرة" تعاملها وأدواتها الرقابية بشكل جذري، لقد دفعت الحرب مدريد نحو تشديد التدقيق في مسارات التعاون التي تندرج تحت بند "الاستخدامات المزدوجة" أو الحساسة، مع ميل واضح لإخضاع المشاريع المشتركة لمعايير القانون الدولي الإنساني، هذا التحول التنظيمي، كما يصفه حسونة، ينعكس في آليات منح الموافقات وتردد الجهات الرسمية في رعاية الفعاليات التقنية المشتركة بنفس الزخم الذي كان سائداً قبل الحرب. إن السياسة الإسبانية انتقلت من التعاون التقني المحايد إلى تعاون "مشروط بالحساسية السياسية"، حيث باتت سلاسل التوريد وكيفية استخدام التكنولوجيا نقاطاً جوهرية في أي حوار دبلوماسي أو تجاري تقني بين الطرفين.
التكنولوجيا كملف سياسي وأخلاقي بامتياز
يختتم سائد حسونة رؤيته بالتأكيد على أن حرب غزة لم تفكك العلاقة التكنولوجية الإسبانية الإسرائيلية بشكل كامل، لكنها أخرجتها من "منطقة الراحة" التي كانت تتمتع بها لسنوات، لقد أصبح الفاعلون في قطاع التقنية يدركون أن الابتكار لا يمكن فصله عن سياق استخدامه النهائي، وأن الصمت تجاه الانتهاكات لم يعد استراتيجية آمنة في عالم يراقب فيه الرأي العام القرارات الاقتصادية بدقة.
ويتوقع حسونة أن المرحلة المقبلة ستشهد استمراراً للتعاون ولكن بشروط جديدة تتسم بمزيد من الحذر والتدقيق، حيث ستظل التكنولوجيا ملفاً سياسياً وأخلاقياً في المقام الأول، مما يفرض على الشركات مراجعة شراكاتها بما يتوافق مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية، لضمان استدامة أعمالها في سوق عالمي يزداد وعياً وحساسية.









