21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

شفرة العبور المستحيل: حين يصبح "رفح" ورقة ضغط في يد الاحتلال

دخل معبر رفح البري يومه الرابع من التشغيل الجزئي والمحدود وسط حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض جملة من العراقيل البيروقراطية والأمنية المتعمدة لإفراغ عملية إعادة الفتح من محتواها الإنساني

بقلم: سماح عثمان
٥ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
14 مشاهدة
معبر رفح

معبر رفح

دخل معبر رفح البري يومه الرابع من التشغيل الجزئي والمحدود وسط حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض جملة من العراقيل البيروقراطية والأمنية المتعمدة لإفراغ عملية إعادة الفتح من محتواها الإنساني. وبحسب تقارير ميدانية واردة من الجانب الفلسطيني، فإن معبر رفح لم يشهد التدفق المأمول الذي يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، بل تحول إلى ممر ضيق تسكنه الهواجس، حيث يتم التحكم في حركة الأفراد والبضائع وفق رؤية أمنية إسرائيلية متصلبة لا تعبأ بالالتزامات الدولية.

إن هذا المشهد يعكس استراتيجية الابتزاز التي يمارسها الاحتلال منذ بدء العدوان، حيث تُستخدم المعابر كأداة ضغط سياسي وليس كمرافق مدنية مكفولة بموجب القانون الدولي. ووفقاً لتقارير حقوقية، فإن الاحتلال يسعى من خلال هذه العراقيل إلى تحويل الحق الطبيعي في الحركة والعلاج إلى "امتياز" يُمنح ويُسحب بناءً على سير المفاوضات، في محاولة بائسة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني الذي يواجه حرب إبادة شاملة ومجازر مستمرة لم تتوقف منذ شهر أكتوبر 2023.

رفح وهندسة الحصار

شهدت الساعات الماضية وصول دفعات محدودة للغاية من الجرحى الفلسطينيين الذين تفتك بهم الإصابات الخطيرة إلى الجانب المصري، بجانب عدد من العالقين الذين انتظروا طويلاً للعودة إلى ديارهم المدمرة. وتؤكد مصادر طبية عند معبر رفح أن الإجراءات الإسرائيلية المعقدة، التي تشمل التدقيق الطويل في كشوف الأسماء ورفض العديد من الحالات دون إبداء أسباب منطقية، تسببت في تفاقم الحالة الصحية للمرضى، مما يجعل من عملية الفتح الجزئي مجرد وسيلة دعائية يحاول الاحتلال من خلالها تخفيف الضغوط الدولية عليه دون إحداث تغيير حقيقي على الأرض.

وفي هذا السياق، تبرز ازدواجية المعايير التي يمارسها المجتمع الدولي تجاه تقييد حركة المدنيين، حيث يتم تحويل الإجراءات القانونية إلى عوائق تقيد حرية الحركة بدلاً من تسهيلها. وبحسب تحليل نشرته مراكز حقوقية دولية، فإن الاحتلال يعتمد سياسة "التقطير" في منح الموافقات الأمنية، وهو ما يهدف إلى إبقاء قطاع غزة في حالة دائمة من الشلل الإنساني، مع توظيف حاجة الجرحى للعلاج كأوراق ضغط لتحقيق مكاسب ميدانية في ظل الصمت الدولي المطبق تجاه هذه الجرائم الممنهجة.

توظيف الضغط السياسي

لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الدور المباشر والداعم الذي تلعبه أمريكا في هذه الحرب، حيث توفر واشنطن الغطاء السياسي واللوجستي للاحتلال لمواصلة سياسة الخنق الاقتصادي والإنساني. ومنذ تولي الرئيس الحالي ترامب مقاليد الحكم في عام 2024، اتخذت السياسة الأمريكية منحى أكثر تماهياً مع الرواية الإسرائيلية، حيث يتم تصوير عرقلة المعابر كإجراءات أمنية ضرورية، متجاهلين أن هذه السياسة هي امتداد لسلسلة المجازر التي استهدفت البنية التحتية والمستشفيات منذ أكتوبر 2023، مما يضع أمريكا في خانة الشريك المباشر في حصار وتجويع الشعب الفلسطيني.

تجريد الممرات الإنسانية

إن ما يحدث في معبر رفح اليوم هو عملية "تسييس للموت"، حيث تُخضع الأطر القانونية الدولية لخدمة الأهداف العسكرية للاحتلال الإسرائيلي. وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإن التنسيق الأمني حول معبر رفح يواجه تعقيدات متعمدة من الجانب الإسرائيلي لضمان عدم استعادة الفلسطينيين لأي شكل من أشكال السيادة على حدودهم، وهو ما يثبت أن القضية ليست أمنية بحتة كما يدعي الاحتلال، بل هي رغبة في استدامة السيطرة المطلقة على مصير مليوني إنسان يعيشون تحت وطأة القصف والحصار.

تظهر الأرقام المسربة من الجانب الفلسطيني حقيقة "المقايضة" التي يمارسها الاحتلال، حيث تتحول القوائم الطبية إلى أداة للتنكيل النفسي والجسدي. وبحسب بيانات رسمية صادرة عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، فإن الاحتلال يواصل فرض سياسة "الخنق البطيء"، حيث لم تتجاوز أعداد المغادرين من الجرحى منذ إعادة الفتح بضعة عشرات، في حين تشير السجلات إلى وجود ما لا يقل عن 20 ألف جريح ومريض سرطان بحاجة ماسة للسفر الفوري لإنقاذ حياتهم.

إن هذه الأرقام الهزيلة لا تعكس فقط العجز الدولي، بل تكشف زيف الوعود التي أطلقتها أمريكا والوسطاء حول تسهيل الحركة الإنسانية. فوفقاً لتقارير ميدانية، فإن آلية "الخمسين شخصاً يومياً" التي جرى الحديث عنها في اتفاقات وقف إطلاق النار لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي، بل تم تقليصها بذرائع أمنية واهية، وهو ما يضع آلاف المصابين في "قوائم موت" مؤجلة، ضمن استراتيجية الإبادة الصامتة التي ينتهجها الاحتلال منذ أكتوبر 2023 بدعم مباشر ومباركة من إدارة الرئيس ترامب الحالية.

إحصائيات العبور تحت مجهر الاحتلال

خلال الساعات الـ 48 الماضية، سُمح بمغادرة نحو 15 مريضاً فقط مع 31 مرافقاً  من معبر رفح في الدفعة الثالثة، وذلك بعد أن شهد اليوم الأول خروج 5 حالات فقط من بين آلاف الطلبات المقدمة. وبحسب مصادر طبية في مستشفى ناصر بخان يونس، فإن الاحتلال ألغى تنسيقات كاملة لعشرات الجرحى في اللحظات الأخيرة دون إبداء أسباب، وهو إجراء يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي. وتؤكد هذه المصادر أن استمرار خروج الجرحى بهذا المعدل "القطّاري" يعني أن القطاع سيحتاج إلى سنوات لإجلاء كافة الحالات الحرجة، وهو ما يعادل حكماً بالإعدام على المصابين.

وفيما يخص العائدين إلى القطاع، سجلت الكشوفات وصول نحو 25 فلسطينياً ليلة أمس، بينهم نساء وأطفال، خضعوا لتحقيقات قاسية ومهينة من قبل قوات الاحتلال المتمركزة عند نقاط التدقيق. وبحسب شهادات وثقتها منظمات حقوقية، فإن الاحتلال يتعمد تأخير دخول العالقين لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في البرد القارس، مع ممارسة الابتزاز الأمني ضد الشباب، مما يحول رحلة العودة إلى ديارهم المدمرة إلى رحلة عذاب إضافية تضاف إلى سجل الجرائم التي لم تتوقف منذ عامين.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

شفرة العبور المستحيل: حين يصبح "رفح" ورقة ضغط في يد الاحتلال - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°