شهدت مناطق واسعة في شمال وغرب المغرب موجة أمطار غزيرة وُصفت بغير المسبوقة، أدت إلى سيول وفيضانات واسعة النطاق خلال الأيام الماضية، في ظل تأثير منخفض جوي حاد حذرت منه مصالح الأرصاد الجوية المغربية، حيث بلغت كمية الأمطار في بعض المناطق نحو 150 مليمترًا.
وسجلت سيول في ضواحي جرسيف شرق البلاد نتيجة ارتفاع منسوب وادي مسون، فيما حذرت السلطات من استمرار ارتفاع منسوب المياه في عدد من الأودية والسدود، من بينها سد وادي المخازن، ما دفع إلى اتخاذ إجراءات احترازية واسعة.
إجلاء أكثر من 108 آلاف شخص من 4 أقاليم
أعلنت وزارة الداخلية المغربية، الأربعاء، تنفيذ عمليات إجلاء واسعة شملت 108,423 شخصًا من أربعة أقاليم شمالي وغربي البلاد، هي العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، مؤكدة أن العملية نُفذت بشكل تدريجي ومنظم وفق تقييم درجات الخطورة وحجم الأضرار المحتملة، مع توفير وسائل نقل وآليات دعم ومراكز إيواء ومخيمات استقبال للمتضررين.
وتوزع الأشخاص الذين تم إجلاؤهم على النحو التالي:
العرائش: 81,709 أشخاص، خاصة في مدينة القصر الكبير
القنيطرة: 14,133 شخصًا
سيدي قاسم: 9,728 أشخاص
سيدي سليمان: 2,853 شخصًا
وسجل إقليم العرائش العدد الأكبر من عمليات الإجلاء، لا سيما في مدينة القصر الكبير، حيث أعلنت السلطات إخلاء المدينة بالكامل كإجراء احترازي تحسبًا لفيضانات محتملة، بعد فصل المياه والكهرباء عنها، علمًا بأن عدد سكانها يقدَّر بنحو 120 ألف نسمة.

شلل في الطرق وتحديات للبنية التحتية
أدت الفيضانات والسيول إلى انقطاع عدد من المحاور الطرقية الحيوية وتعطّل حركة المرور في مناطق عدة، من بينها الطرق الرابطة بين طنجة وتطوان، إضافة إلى طرق داخل أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان.
وتواصل فرق الإنقاذ والإغاثة والسلطات المحلية عملياتها الميدانية المكثفة في القصر الكبير وتطوان وسيدي قاسم وغيرها من المناطق المهددة بارتفاع منسوب المياه، بهدف إجلاء السكان وتأمين المناطق الأكثر عرضة للخطر، في ظل تحذيرات رسمية من استمرار تأثير المنخفض الجوي.
مؤشرات مناخية تكشف حجم التحول
أظهرت بيانات رسمية ارتفاع معدل هطول الأمطار في المغرب بنسبة 215% مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 54% مقارنة بالمعدل التاريخي، إلى جانب ارتفاع نسبة ملء السدود المحلية إلى نحو 62% مقابل 27% في العام الماضي، مع تنفيذ تفريغ جزئي لعدد من السدود الكبرى لاستيعاب التدفقات الجديدة.
كما أسهمت هذه الأمطار الاستثنائية في إنهاء فترة جفاف استمرت سبع سنوات، ما دفع المغرب خلال السنوات الماضية إلى تسريع وتيرة الاستثمارات في مجال تحلية المياه، في إطار مواجهة التحديات المرتبطة بالأمن المائي.
تحذير أمريكي لرعاياه في المغرب
في ظل اتساع نطاق الفيضانات، وجّهت الولايات المتحدة تنبيهًا لرعاياها في المغرب، داعيةً إلى توخي الحذر ومتابعة تعليمات السلطات المحلية، بعد الأضرار التي خلّفتها الأحوال الجوية القاسية، والتي شملت انقطاع طرق رئيسية وتنفيذ عمليات إجلاء واسعة وتأثيرًا مباشرًا على إمكانية الوصول إلى الإمدادات الغذائية في المناطق المتضررة.
وأكد التحذير الصادر عبر حساب إدارة الشؤون القنصلية بوزارة الخارجية الأمريكية على منصة «إكس» أهمية الالتزام الكامل بالتعليمات الرسمية المحلية، والتواصل مع الشرطة أو السلطات المغربية عند مواجهة أي مخاطر محتملة، إضافة إلى دعوة الرعايا المتواجدين في مناطق الطوارئ إلى إبلاغ عائلاتهم وأصدقائهم بأوضاعهم الصحية والمعيشية.
مجلس الحكومة وإدارة الأزمة المناخية
تأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه الحكومة المغربية للتعامل مع تداعيات الفيضانات الكبرى، وسط توقعات بانعقاد مجلس الحكومة ومؤتمر صحفي مرتقب حول إدارة الأزمة المناخية، في ظل تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة.
وتعكس عمليات الإجلاء الواسعة، والتحذيرات المناخية، والتداعيات الميدانية، حجم التحدي الذي تواجهه السلطات المغربية في إدارة الكوارث الطبيعية، ما يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج يتمثل في احتواء الأزمة الحالية وضمان سلامة السكان، وصياغة رؤية استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة آثار التغير المناخي على البنية التحتية والأمن المائي والاستقرار الاجتماعي.









